من مسبح في حماه، تكريس الميديا الاجتماعية

 

 

سليم البيك

 

من بين وسائل الإعلام التقليدية، من كان ليهتم بتظاهرة ضد النظام السوري في إحدى برك السباحة الصغيرة في حماه؟ لا أظن أن مراسلاً لأي قناة سيدخل بكامرته ومايكروفونه إلى إحدى صالات السباحة أينما كانت، لينقل شعارات سياسية يردّدها "السّبيحة". في مدينة حماه الصغيرة، في إحدى بركها الصغيرة، عشرات قليلة من أهالي المدينة في بركة السباحة. هم هناك ليبتعدوا قليلاً عن أجواء القتل والقصف، أو هذا ما قد نفترضه، إلا أنهم هناك ليعطوا لشعاراتهم المنادية بالحرية بعداً آخر، صورة أخرى، يصفقون بأيديهم على الماء، ثم ببعضها ويواصلون المناداة بشعاراتهم ذاتها، ومبلّلة بالماء، تلك التي تبلّلت بالدم والغبار في شوارع المدينة.

من كان من بين هؤلاء ليبالي بحضور الجزيرة أو فرانس 24 أو أي قناة أخرى، إن كانت جميعها ستنقل عن وسائل إعلام بديلة، أكثر ديمقراطية وشعبية وجرأة وواقعية، كتلك التي صوّرها أحد "السبّيحة" ليرفعها إلى موقع يوتيوب، ومنها إلى كل العالم، بما فيه من قنوات إخبارية .

لست أقلل من ضرورة -وكذلك أهمية- وسائل الإعلام التقليدية (أو المؤسسات الإعلامية) في مظاهرات وثورات الربيع العربي (وتحديداً حيث لا يسمح لها بالتواجد) خاصة فيما يحرصون عليه من توثيقية المواد قبل نقلها، وإن اختلفت هذه الوسائل في مدى حرصها على هذه التوثيقية والمصداقية. وإن، كذلك، تعمّدت تزييفاً وتهويلاً أو تسطيحاً لما تنقل. أما حيث تتواجد هذه الوسائل: مصر وليبيا وغيرها، فهي قادرة على المشاركة في صنع الحدث، لا نقله فحسب، وذلك يخضع لمدى تواجدها، ومصلحتها في ما يحصل، ومدى موضوعيتها، اختلفنا معها أم اتفقنا.

وعلى كل حال، حديثنا ليس عن القنوات بقدر ما هو عن حالة "كل مواطن مراسل"، وهي التي تعطي لأي مظاهرة باعثاً داخلياً وإمتدادات خارجية، وسأوضّح ذلك.

خطر لي كل ما ذكرت حين شاهدت فيديو مسبح حماه في موقع يوتيوب، بل وعبر أحد مواقع ما يمكن تسميتها بالإعلام الاجتماعي كفيسبوك وتويتر، فلم تعد هذه المواقع مجرد مواقع "تواصل" اجتماعي بل "إعلام"، وذلك، طبعاً، يعتمد على مستخدمها الذي قد يحوّلها (عبر بروفايله) إلى مواقع سخف إجتماعي.

خطر لي كل ذلك حينها، وتذكّرت حينها تلك المظاهرات التي كانت تخرج في المخيم وفي مدينة حمص دعماً للانتفاضة في الضفة وغزة قبل عشر سنين من اليوم، حيث لا يوتيوب ولا فيسبوك، وحيث لم توجد فكرة "كل مواطن مراسل" بعد. وحتى الموبايلات -ودون كامراتها- كانت حديثة العهد في سوريا حينها.

أتذكّر أني لم أخرج كثيراً في تلك المظاهرات، وإن خرجت فأمشي بها من بعيد، أتفرّج على الناس من الخلف أو الصفوف الجانبية. كنت أرد على المنتقدين متسائلاً عن الدافع لخروجهم غير تفريغ الغضب بداخلهم ليرجعوا إلى بيوتهم مع نسبة لا بأس بها من الرضى عن الذات، كنت أرد بأن المنتفضين في داخل الوطن وفي كل العالم: إن لم يعرفوا بمظاهراتكم هذه فلتقعدوا في بيوتكم، بأنكم لن تغيّروا شيئاً إن لم تتظاهروا في مواجهة من تتظاهرون ضده، وأنكم، إن استحال أمر ذلك، لن تغيّروا شيئاً إن لم يكن هنالك (على الأقل) من ينقل مظاهراتكم للطرف الذي تتظاهرون ضده أو للطرف الذي تتظاهرون لأجله. وأن المظاهرات هذه دافعها الأنانية، والشعور بالعجز، وإسكات الضمير. وكنت أقول بأن "الجزيرة" (كمثلٍ) إن لم تأت لتنقل المظاهرة فلن أخرج بها. وكنت أعتقد بأن مظاهرات كهذه هي ممارسات استمنائية إلا أنها تجرّ شعوراً بالرضى، لا الذنب. لكني لم أجرؤ على التصريح برأيي الأخير هذا.

اليوم، كل مواطن مراسل، وكوني لم أكن مواطناً في حياتي، ومعظم الفلسطينيين كحالي، وكثير من الناس على هذا الكوكب ليسوا بمواطنين لأيٍ من دوله، فلنصغها لتكون "كل إنسان مراسل". اليوم يمكن أن يتظاهر عشرةٌ في أي مكان للمناداة بأية حقوق ليرفع أحد العشرة موبايله فيصوّر التسعة الباقين ويرفع اللقطات إلى موقع يوتيوب أو غيره من مواقع الفيديو، وينشرها هنا وهناك في فيسبوك وتويتر، ليعرف من يتظاهر هؤلاء العشرة لأجلهم بها، وليعرف من يتظاهر هؤلاء العشرة ضدهم بها. لتتجاوز الغاية من المظاهرة حالة الرضى عن النفس التي تلي عملية التنفيس بالأصوات المبحوحة والقبضات المرفوعة والتي ستنزل تماماً كما رفعت دون إحداث أي تأثير.

القبضات المرفوعة في المظاهرات، أي عبث في مناداتها بالتغيير إن لم تحدث أي تأثير إلا في صاحبها: كتعضيل طفيف في كتفه، يمشي بسببه عريجاً!

وكي لا يظنّ أحدنا أن نقل المظاهرات إلى العالم، هو أساس ومحدِث التغيير، لا بدّ من إدراك أن المظاهرة والحالة الأرقى والأوعى والأشمل منها، أي الثورة، هي محدثة التغيير، وأن نقلها هو ما يحدث التأثير في وعي المتلقّي إليها، وبالتالي، فتح المجال لها كي تأثّر، وبالتالي كي تغيّر بفاعلية أكبر. لست إذن أصرّح هنا أن وسائل الإعلام بنقلها المظاهرات والثورات، هي التي تؤثّر أو تغيّر، بل أصرّح أنها تفتح أبواباً ونوافذ لهذا التأثير كي ينطلق، وهو ما تحتاجه الثورات كي تقدر على التغيير، ودون هذه الوسائل سيصعب (لكن لا يستحيل) حمل الثورة إلى لحظة التغيير، ولعلّ المنشورات الثورية (السرّية) قديماً هي إحدى الصور الأولى لما تطوّر لاحقاً، ليصير اليوم إدراجة/تغريدة على أحد المواقع الاجتماعية، ويصير بذلك جهراً مفتوحاً لـ و على الجميع، وبالتالي دعوة علنية للمشاركة وللتحريض ولنقل وتناقل الأخبار.

هنالك في علم التواصل (communication) ما يمكن تسميته بـ (watch dog)، وهو غير المشارك في إنتاج الرسالة ولا هو حتى مؤثر في صياغتها، ولا دور له غير نقل الرسالة إلى الطرف المعني، لكنه يملك، إن تخابث مثلاً، أن لا ينقلها، والرسالة بذلك كأنها لم تكن، كساعي بريد مزّق رسالة دون توصيلها. لعلّ وسائل الإعلام في عمليّة نقل المظاهرات والثورات تلعب، من بين ما تلعب، هذا الدور.

قبل عشر سنين كنت أقول مستفزاً أنانية الآخرين: إن لم تأت "الجزيرة" لتصوّر لن أخرج في مظاهرة. الآن اختلف الأمر قليلاً، لن ينتظر أحد مؤسسة إعلامية ضخمة لتحلّ ضيفة عبر أحد مراسليها، لأسباب منها أن هذا "الأحد" لن ينتظر حتى أن يرفع الكثيرون من بين المتظاهرين موبايلاتهم وكاميراتهم ليصوّروا فيرفعونها إلى يوتيوب وفيسبوك وتويتر، لن ينتظر حتى ذلك لأنه سيفعلها بنفسه، سينقل الصورة بنفسه، يوزّعها بنفسه، لتأتي "الجزيرة" وغيرها لتنقل مما رفعه ونقله، ولنا في الحالة السورية مثال.

والحال هذه، لن يعود التظاهر في المخيمات وكل العالم دعماً لانتفاضة فلسطينية (تندلع قريباً) حالة تفريغ (مفهوم) ورد فعل عاطفي، بقدر ما تكون فعلاً مؤثّراً لن ينتهي برجوع كل المتظاهرين إلى بيوتهم، وبرجوع كل المعتصمين والمضربين عن الطعام أمام السفارات إلى بيوتهم حيث حان وقت الغداء.