قطع من "كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك"*

 

 

سليم البيك

 

لم آبه للرائحة النسائية التي لفحت أنفي أثناء انتظاري. كثير من النساء يمررن بين الكراسي أمامي وخلفي وتمتزج روائحهن ببعضها فلا أكاد أميز بينها.

***

تحركتْ بسرعة وكأنها تذكرت شيئاً أو تعبت من التظاهر أو سئمت من انتظار مبادرتي لأسألها عن الكتاب في يدها، أو السواد في شعرها.

***

تفاصيل وجهها تعجّ في رأسي كما يعجّ الماء في البحر، تتلاحق كأمواجه، وترمي بأخضرها كل ألوانه وبصمتها كل عمقه.

***

هذه اللوحات كلها أنت يا حبيبتي، بقع من دهن لحمك وعرقك على أغراض بيتي، وقطع من أشلائك المترامية على جسدي وروحي، والآن فقط على لوحاتي.

***

الماء يتقلب على رأسه وكتفيه بين البرودة والسخونة، وتدفقه المتواضع يزيد من لامبالاته بما حوله، فيتسمّر تحته وكأن سريره يسنده.

***

أعرف الآن، على الأقل، استدارة فخذيها واستطالتهما، وقبل ذلك شكل أصابع قدميها المصفوفة كرف من كؤوس ماء باردة، وقد تكثف الهواء الرطب على جدرانها فزادت لمعاناً.

***

طلبت، مثلها، شاياً بالميراميّة وبدأت بصب كل جسدها في عينَي. انتبهتْ إليّ مراراً. حاولتْ أن تريني بأنها رأتني أراها، علّي أخجل قليلاً، لكني لم أرها تماماً حينها، أو تظاهرت بذلك.

***

ظلّت واقفة قبالة مكتبته تبحث بين كتبه وكأنه لم يصل، وكأنها لم تشعر بوجوده. جمد هو مكانه يتأكد من أنه يسمع صوتاً ما: صفحات كتاب، همهمات امرأة ونفسها، أو احتكاك قميص ببعضه، أو كل ذلك.

***

أعرف تماماً كيف يمارس شعرها أنوثته إذا ما تركته مبعثراً على سجيّته، أحفظ تماماً حركات خصلات شعرها تلك، والمدرّبة عليها جيداً، والتي تتقنها هي جيداً، ويروق لها أنها تتقنها جيداً، وأنّي أعرف ذلك.

***

اقتربتْ بعد ذلك بقليل وسألتني ساخرة عن سبب إعجابي باللوحات، أهو اللحم الأنثوي الذي سبب ازدحاماً بالرجال في الجاليري وامتناعاً للنساء عن الحضور؟

***

كانت حرقة كتلك التي تلهب من زنديها. لهب وحمرة نحاسية اعترتهما، أتتهما مما انحل عليهما من لون الشمس أثناء امتداد جسدها المشع من أثر الزيت، على سخونة الرمال.

***

في أيام لاحقة، تسابقنا غير مرة على الأرجوحة، من منا يضحك أكثر ومن يعلي أكثر ومن يسرع أكثر ومن يرمي بحذائه لمسافة أبعد، ويصرخ أكثر.

***

دخل إلى المقهى بهدوء. ينظر إلى الوجوه حوله، يتمعّن في النسائية منها خاصة. للنساء رائحة أشدّ فحشاً في الشتاء، فكّر.

***

اتصلت بها لحظتها، وما حظيت حتى بصوتها. سمعت أنين هاتفها، ظلّ يئن ملتمساً مبرراً لغيابها، إلى أن انقطع.

***

وقد تعود سرعة ردها إلى أن الهاتف كان مستلقياً على كفها الأيمن، ففتحت الخط قبل رؤية اسمي حتى، وهذا ما بدا الأرجح، لاحقاً. ولكني تعوّدت الإيمان بما تقنعني نفسي به.

***

التقينا بعد ذلك بعدة أسابيع. اتفقنا على أن تأتي إلى غرفتي، وهي مرسمي أيضاً، لترى اللوحات. لم تكن قد أنهت المقالة بعد، قالت إنها لن تنهي شيئاً قبل زيارتها.

***

قد يحوم جمال حولي ولا أراه. أحياناً أراه ولا أدركه. وقد أدركه وتسيطر حيرتي بأسبابه، عليّ، فلا أعود أدركه. أدرك جمالاً شُبّه الأول لي به.

***

ونظرتُ إليها مبتسماً، فابتسمتْ وأرجعت زراً فالتاً إلى مكانه، فبقيت عيناي وزرٌّ آخر، تتناوب الحراسة على مدخل ثدييها؛ عين، فالعين الأخرى، فالزر، فالعين الأولى فالأخرى فالزر..

***

كانت بيدها اليمنى ترفع شعرها عن جبينها، وتحط خصلات منه خلف أذنها بحذر قناص متأهب، يرى ضحيته عبر مرآة السيارة الرئيسية أمامه.

***

كما لشفتيها ميوعة سائل الكرز، وكما لحلمتيها مرونة حبات الكرز، لجسدها، لحم بطنها مثلاً أو قاع نهديها، طراوة التشيزكيك الطازجة.

***

أحببت أكثر أني اعترفت بذلك الجمال وذلك السطو الخبيث بعد افتراضي ليهوديتها، وبأني أحببت ذلك الاعتراف.

***

انتبهتُ لاحقاً إلى "حنظلة" فضّياً معلقاً على صدرها، وقلت في نفسي: جيّد أن للفلسطينية أثداء غير تلك التي ترضع الأطفال لتصنع منهم شهداء وأبطال.

***

أزهرت شجرة اللوز حين سألها نيكوس أن تحدثه عن الله، وأزهرت الصفحة البيضاء الخالية إلا من ثلاثة أسطر تختم فصلاً من الكتاب، بأبيض وأحمر وأخضر شجر اللوز، حين هي قرأَتها.

***

حاولتُ بصدق أن أشيح بناطريّ عنها إلى الكتاب أمامي، كما حاولتُ الالتفات إلى أي شيء آخر في الطائرة كلما تحركت عيناي بتلقائية نحوها، ربما كي لا تكتشف أني أطيل النظر إليها.

 

*قطع منتقاة على حدة وعشوائياً من قصص المجموعة الصادرة حديثاً عن دار الأهلية في عمّان ومؤسسة القطّان في رام الله، وقد حازت المجموعة على جائزة القطّان في القصة القصيرة.

 

في القدس العربي