النهج الخلدوني في الترجمة
(كاظم جهاد لآرتور رامبو)

 

 

سليم البيك

 

يفرّق ابن خلدون في مقدّمته بين ما أسماه فن (أو علم) التاريخ السابق عليه، وبين ما ينهجه هو في مقدّمته وكتبه، فقد كان قبله مجرّد سرد للأحداث، دون البحث بأسبابها وتداعياتها ودون نقدها ونقضها إن استدعت الحاجة كما فعل ابن خلدون في مقدمته والتي يمكن أن تعدّ تأسيسية لعلم التاريخ الحديث أو الاجتماع (ما أسماه هو بالعمران).

استذكرت هذا النهج الخلدوني أثناء قراءتي لترجمة كاظم جهاد لآثار أرتور رامبو الشعرية (النسخة الحديثة)، وهو الذي (كما يبدو) استفاد كثيراً من نهج استحدثه ابن خلدون، في مقاربته لأشعار رامبو، وسأتحدّث عن ذلك.

منذ دراستي الجامعية للأدب الانجليزي، ودروس الترجمة فيها تحديداً، ومما رأيته من "خيانة" الترجمة للنص الأصلي، تشكّلت لدي ريبة وأزمة ثقة بيني وبين الترجمات، ومع قراءاتي لترجماتٍ لاحقاً تفاقمت الأزمة، ثم وصلت معي لأن أبحث في "الغوغل" عن اسم المترجم كلّما أردت قراءة كتاب مترجَم، فلم يعد عنوان الكتاب واسم المؤلّف يكفيان، ولا حتى اسم الدار التي قد أثق بخياراتها لنشر ترجمات بعينها. وأتت ترجمة جهاد لآثار رامبو لتكرّس هذه الأزمة مع الترجمات، وإن من ناحية مقابلة، أي أنها رفعت معايير اختيارات الترجمات، بمعنى آخر، قلّصت احتمالات قراءتي لكتب مترجمة قد تقع بين يديّ.

لعلّ جهاد في ترجمته لرامبو استفاد من النهج الخلدوني في قراءة التاريخ، وذلك من عدّة نواح، يضاف إليها اللغة الفنّية أدبياً لترجمة النص نفسه، أي أن جهاد حافظ على روح شعرية في النصوص، فلم تأت ترجمته فعلا ميكانيكياً أو وظيفياً كما يستسهله الكثير من المترجمين.

أما بخصوص هذه الاستفادة (المشروعة بل والضرورية) من النهج الخلدوني، وما تفترق به هذه الترجمة عن ترجمات أخرى، فقد أرفق جهاد ترجمته بتقديم مطوّل يعطي خلفية معرفية (لا بدّ منها) لحياة رامبو في فرنسا ثم في الشرق، ولم يكن ذلك مجرّد سرد لسيرته، أو إخبار عنها، بل بحثَ في هذا السرد وربطه بقصائده وشروحاتها، وبالحالة السياسية في فرنسا حينذاك، إضافة إلى إشارات دائمة لما قد يتّفق أو يختلف عليه شُرّاح رامبو من الفرنسيين.

لم يكتف المترجم إذن بترجمة النصوص، وهو ما يتوقّف عنده معظم المترجمين العرب، بل قدّم سيرة مفصّلة لحياة الكاتب، وسيرة مفصّلة لنتاجاته الأدبية، ولتأثير كلّ من السيرتين بالآخر، قدّم آراء نقدية وتأويلات افتراضية مختلفة بخصوص كلّ منهما، كل ذلك في المقدّمة، ثم يرفق الكتاب بقراءتين خاصتين للترجمة العربية يكتبها نقّاد فرنسيون.

قراءة هذه الترجمة أحدثت عندي معياراً سيكون أساسياً في اختيار ترجمة أقرأها، وهي كمية ونوعية الحواشي التي تُرفق بالنص، ولعلّ الحواشي هنا أكثر ما قد يشير إلى الاستفادة من النهج الخلدوني. في ترجمة جهاد، وفي معظم القصائد، تفوق الحواشي بحجمها حجم النص الأصلي، هنا عرفت أساسيّة الهم البحثي والنقدي للمترجم، إضافة إلى الهم الجمالي واللغوي في ترجمته للنصوص. وقد اقترح جهاد في مقدّمته ثلاث قراءات مختلفة، أن يُقرأ النص دون حواشي، أن يُقرأ مع حواشيه، أما ما فضّله فهو أن يُقرأ النص مرّتين، أولى بحواشيه تكون معرفية، وثانية تكون استمتاعية بالنص دون الحواشي. لكني بعد قراءة الكتاب بالقراءتين؛ أولى مع الحواشي وثانية للنصّ فقط، أدركت مدى الفقدان والقحط الذي قد تسبّبه أي ترجمة لأي قارئ إن اكتفت بترجمة النص –الشعري تحديداً- دون إيفاده بحواشي تؤمّن الضرورة المعرفية والجمالية.

حواشي هذه الترجمة تقدّم –كما المقدّمة، وأكثر- آراء نقدية، تأويلات افتراضية، شروحات سردية، استدراكات لغويّة، إضاءات تاريخية وسياسية وثقافية... وأَذكر أثناء القراءة أني فكرّت بأن الحواشي هذه إضافة إلى المقدّمة، قد تشكّل بحد ذاتها، ومع قليل من الترتيب، كتاباً نقديّاً عن شعر رامبو، وكانت لذلك ترجمة كاظم جهاد -الشاعر والمترجم والباحث- لآثار رامبو ترجمة أدبية نقدية، أي أن الكتاب الذي يقارب السبعمائة صفحة، هو كتاب شعري جمالي وكتاب نقدي معرفي في الوقت نفسه. تكفي قراءته للتراجع عن قراءات كثيرة لترجمات أخرى تكتفي بترجمة النص الشعري وبحواش تكون خجولة إن وجدت.

لهذه الأسباب، ولأسباب غيرها لن تسعها هذه الأسطر، زادت ترجمة جهاد الأزمة بيني وبين كثير من الترجمات العربية. وكما لم يعد ربّما علم التاريخ والاجتماع بعد ابن خلدون كما كان قبله، لم يعد يكتفي بسرد الوقائع كما هي. لن تكون الترجمات، عندي، بعد قراءة هذه الترجمة لآثار رامبو، كمان كانت قبله. لم أعد أكتفي بنقل النصوص كما هي، وهذا أمر مقلق في الحقيقة، إن أخذنا بعين الاعتبار الترجمات الموجودة في المكتبة العربية.

 

في القدس العربي