|
سليم البيك
لم أنجذب له في
بداية الأمر، رغم الإشارات للجوائز والمهرجانات
العالمية على غلافه، كان الفيلم على أحد رفوف
"العروض الخاصة" لأفلام يصعب تدبير شارياً لها، لم
أكنه بداية، لسبب أني لا أفضّل أفلام الكرتون.
كما أني لم أنجذب
له حين رأيته ككتاب كوميكس في المكتبة المجاورة
لمكتبة الأفلام، وأدركت أن الكتاب هنا هو ذاته
الفيلم هناك، تصفّحته لأقل من دقيقة.
كما أني لم أبحث
كثيراً في الأمر حين قرأت، ونشرت في المجلة التي
أحررها، رد ريما النجار، المحاضِرة في الجامعة
العربية الأمريكية في مدينة جِنين في حينه، على
قرار فصلها بسبب توزيعها نصوصاً بالإنجليزية
لكاتبة إيرانية، ليعمل الطلاب على ترجمتها.
في تونس ما بعد
الثورة، يُحاكم مدير قناة نسمة التي عرضت الفيلم،
إضافة إلى الاعتداء عليه وعلى القناة من قِبل
إسلاميين سلفيّين. هنا بدأت أربط ذهنياً (وأعتذر
لبطئي في ذلك) بين الفيلم والكتاب وجِنين ونسمة.
في المكتبة ذاتها،
حكت لي صديقتي عن الكتاب والفيلم وذكّرتني بالمادة
التي نشرتُها عن فصل الدكتورة النجار، وحكيت لها
أن الفيلم، كذلك، سبّب هبّة للسلفيين في تونس ما
بعد الثورة.
خرجنا من مكتبة
الكتب إلى مكتبة الأفلام المجاورة، متجهين إلى
الرفوف مباشرة حيث يتواجد. الرف ممتلئ به، انتشلنا
نسخة وخرجنا.
فيلم
"بيرسيبوليس"، للإيرانية مرجانه ساترابي والفرنسي
فانسان بارونو، المأخوذ عن كتاب كوميكس لمرجانه
نفسها، أظهر لي في حادثتَي الجامعة الأمريكية في
جنين حيث تسيطر حركة فتح "العلمانية"، وفي تونس ما
بعد الثورة، تونس البلد والمجتمع الأقرب إلى
العلمانية من بين جميع العرب، أظهر (آسفاً) أننا،
كما يبدو، بحاجة لأكثر من ثورة كي نقترب ولو
قليلاً من المضمون الفعلي لمفهومَي "حرية"
و"علمانية".
الكاتبة الإيرانية
المثيرة للإعجاب، تنقل عبر الكتاب والفيلم قصة
عائلتها ونضالها الشيوعي في عهد شاه إيران، ثم في
عهد الجمهورية الإسلامية حيث ازداد المجتمع
تدهوراً عمّا كانه. ومنها إلى قصّتها الخاصة عن
هربها من المجتمع والحكم الثيوقراطي هناك، إلى
فرنسا حيث لم تقصّر في نقد المجتمع الرأسمالي هناك
كذلك، والسخرية منه.
شاهدت الفيلم،
تصفّحت الكتاب في المكتبة، فكّرت قليلاً بحالنا،
بحال حريتنا الإبداعية والفكرية في زمن الثورات،
فكّرت قليلاً لا بعرض الفيلم أو تدريس الكتاب في
الجامعات، بل بإمكانية أن يصدر فيلم أو كتاب عربي
يصوّر "الله" كما في "بيرسيبوليس"، حيث تتحدّث معه
فتاة صغيرة تبكي له وتسأله وتلومه على اعتقال
عمّها من قِبل الشاه ومن ثم الخميني، وفوق ذلك، أن
يصدر الفيلم أو الكتاب "العربي" عن امرأة، تحكي عن
ثالوث الدين والسياسة والجنس، أولاً بحرية،
وثانياً بتجارب شخصية.
انتهيت من الفيلم،
وبدأت الفكرة تلوح أكثر في ذهني؛ هنالك في هذا
العالم فيلم كهذا، بهذه الجرأة والوضوح والسخرية
في نقد مجتمع "تتمتّع" مجتمعاتنا العربية بكل ما
فيه من كوارث كان للإسلاميين "شرف" رعايتها،
تماماً كما في "بيرسيبوليس". لمَ لا يكون فيلم
كهذا عربياً؟
بدأت أفكّر: قد
تكفي ثورة للإطاحة بنظام سياسي، لكن ماذا عن
الثقافي والاجتماعي ؟
|