|
سليم البيك
أكاد أقول بأن
ملائكة تنزل من السماء لتصوّت للإسلاميين في
بلادنا العربية. سأقول من البداية بأني لست
ديمقراطياً بالمطلق، وأن الديمقراطية ليست فعلاً
ميكانيكياً، وأني لن أقبل ولا بأي شكل انتخابات
ديمقراطية تودي بإسلاميين –كمن عندنا- إلى الحكم.
إن ممارسة
ديمقراطية ما، كالانتخابات، لا ينتج عنها بالضرورة
ممارسة ديمقراطية، أي أن الانتخابات الديمقراطية
لا تودي بالضرورة إلى نظام ديمقراطي. هي تأتي إلى
الحكم بفئة لا بدّ أن تمثّل الأغلبيّة من الشعب،
من المنتخِبين تحديداً، ولنفترض أن هذا ما حصل في
مصر وتونس والمغرب وغيرها، فهذه الانتخابات، ومهما
وصلت إليه من ديمقراطية، حملت إسلاميين إلى الحكم،
هم أبعد ما يكونون عن الممارسات الديمقراطية،
لكنهم أتوا لأنهم فعلاً يمثلون الأغلبية المصوّتة
في هذه البلدان. لكن هذه الأغلبية، ما موقفها من
الديمقراطية والحريات؟ ما مفهومها أساساً
للديمقراطية والحريات؟
قد يتنطّح أحدهم
بأن: على الديمقراطي أن يقبل بنتائج الانتخابات
الديمقراطية مهما كانت هذه النتائج (على افتراض أن
الانتخابات الأخيرة في البلدان المذكورة حقّقت
نسبة عالية من الديمقراطية). هنا أقول بأني لست
ديمقراطياً بالمعنى المطلق ولا المهادِن ولا
الشكلي ولا الانتهازي للكلمة، أنا ديمقراطي حين لا
تنفصل هذه الأخيرة عن الحريات، الفكرية
والإبداعية، والفردية منها تحديداً. أنا مع
الديمقراطية التي ترسّخ نفسها، المكرّسة لنفسها،
لستُ مع الديمقراطية المكرّسة لنظام حكم
ثيوقراطي/ديني/شمولي/غيبي يؤمن أن لا حقيقة غيره،
وأن حقيقته مطلقة، وأنه "مندوب الله إلى الأرض"
وأنه الوصي على المجتمع والناس والأفراد، بل وعلى
الديمقراطية نفسها.
هذه ليست
ديمقراطية بل انتهازية للدين أولاً واغتصاب (أو
تخفيفاً: هتك عرض "بالرضى") للديمقراطية ثانياً.
وهي عندهم مجرّد "استبضاع" للوصول إلى سلطة
سياسية.
نرجع إلى السؤال:
ما مفهوم المصوّتين الممارسين لهذه الديمقراطية،
للديمقراطية التي يمارسونها؟ الأغلبية بسيطة في
هذه البلاد، الأغلبية متديّنة وإن بنسب مختلفة،
الأغلبية محافظة اجتماعياً، الأغلبية لا تقرأ
(معدّل قراءة الفرد العربي من 3 إلى 5 أسطر –أو 6
دقائق- في العام، حسب دراستين حديثتين منفصلتين).
الأغلبية لا تعرف ولم تتعوّد على ممارسةٍ
ديمقراطية، من البيت إلى المدرسة إلى الشارع إلى
الحزب إلى كل ما في بلادنا العربية. وأنا، كفرد،
لن أقبل أن أُحكم من قبل "مندوبين لله إلى الأرض"
وممثلين لهذه الأغلبية. ما الحل إذن، أن أحكمهم
أنا ومن يمثلونني؟ على الأقل..!
نظام حكم ديني قد
يكون الأكثر تعبيراً عن أية أغلبية شعبية في هذه
البلاد، صحيح، لكني كإنسان عربي، على علاقة جيدة
بعروبته وإنسانيته، لن أقبل أن تخرّب هذه الأغلبية
المجتمعات العربية (أو الأحرى: أن تزيدها خراباً)،
فالمجتمع وديمقراطيته وحرّياته تهمني أكثر من
إرادة هذه الأغلبية وانتهازية من يمثّلها. لن يحقّ
لأية أغلبية ومن يمثّلها أن تفرض مفاهيمها الدينية
"الحقّة" على مجتمع فيه علماني ضال واحد (وإن
"تساذج" بقوله أنهم كسبوا بممارسة ديمقراطية
فليحكموا كيفما أرادوا).
الانتخابات ليست
الغاية، الانتخابات هي وسيلة للوصول إلى حكم
ديمقراطي، قد تأتي بفاشيين أو إسلاميين إلى الحكم،
قد تأتي بمن يعبّر عن الأغلبية غير الديمقراطية
فيما بينها، ولا في مجتمعها، فينقل
"لاديمقراطيتهم" (عبر الديمقراطية) إلى المجتمع
بأكلمه، وبالقانون! ليس هنالك ما يبرّر لأي علماني
ديمقراطي أن يقبل بحكم الإسلاميين بحجّة أنهم
كسبوا بالانتخابات. الديمقراطية لا تُبنى في ساعة
أمام صناديق الاقتراع، الديمقراطية ثقافة وممارسة
يومية وحرّيات فردية وبنية مجتمع، وببساطة هي كل
ما لا تملكه الحركات الإسلامية من "حماس" في
فلسطين إلى "الإخوان" و"السلفيين" في مصر إلى
"النهضة" في تونس إلى "العدالة والتنمية" في
المغرب إلى كل من أراد أن يطبّق ويفرض علاقته
الخاصة مع ربّه على المجتمع، بأفراده وجماعاته.
النتيجة المنطقية
لانتخابات تعبّر ديمقراطياً عن الأغلبية في
مجتمعاتنا المتديّنة والأميّة بالمقارنة مع غيرنا،
هذه المجتمعات البائسة في كل ما يخصّ الديمقراطية
نفسها وفي الحريات والثقافة والإبداع، النتيجة
المنطقية ستكون حتماً إسلاميين يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر "بأمر من الله" في نظام جاء إلى
الحكم ديمقراطياً، "منكرهم" عندي معروف و"معروفهم"
عندي منكر. مشكلتي الأساسية معهم، أنهم فعلاً
يؤمنون بأنهم يفعلون ذلك "بأمر من الله"، وأنهّم
فعلاً معنيّون أن أدخل الجنّة، أنا وكل فرد في
المجتمع.
|