2011: الصفحات الثقافية الفلسطينية هي هي

 

 

سليم البيك

 

لعلّها لم تختلف كثيراً الصحافة الثقافية الفلسطينية في الـ 2011 عمّا كانته قبل ذلك، لم يكن هنالك ما يمكن اعتباره إضافة نوعية للحياة الثقافية الفلسطينية أحدثتها هذه الصحافة هذا العام، بل أن النتاجات الأدبية والفنية الفلسطينية وجدت رعاية لها في الصحافة العربية أكثر مما وجدته في الفلسطينية، ولذلك أسباب قد يكون أهمّها البون الشاسع بين النتاج الإبداعي والثقافي وبين الصحافة الثقافية عند الفلسطينيين.

أسوأ ما قد تعاني منه هذه الصحافة، وهو ما قد يميّزها عن غيرها، التشتّت البنيوي فيها، كانعكاس لحالة التشتت الجغرافي والاجتماعي لهذا الشعب. مأساتنا الأساسية تكمن في أن هنالك "ثقافات" فلسطينية: في الـ 48، في الضفة، في غزة، في المخيمات، في الشتات.. وصحافة كل من هذه الأماكن تكرّس، من حيث تدري أو لا تدري، ذلك التشتّت.

هذا التقسيم الجغرافي والمتراكم تاريخياً والمكوِّن، بالتالي، اجتماعياً لكل تجمّع على حدة، اختصر فكرة الثقافة الفلسطينية بمعناها الشامل عند كثيرين من محرّري صفحات ثقافية لصحف مطبوعة، وكذلك الكترونية.

تتعامل الصحف في كلّ تجمّع فلسطيني مع الحراك الثقافي حيث تتواجد الصحيفة تحديداً، بأنه، بذاته، الحراك الثقافي الفلسطيني، أي أنها تختصر الحراكات في التجمعات الأخرى، لا أقول تنفيها لكنها تخضعها لعملية اختصارات واسعة كأنها مادة ثقافية عربية، لا فلسطينية، وتحتكر لنفسها "المحلية" الفلسطينية "المكتملة بذاتها".

قد أفهم ذلك لاعتبارات تجارية عند الصحف المطبوعة (ولا أتفهّمه) إلا أن ما يزيدني تشاؤماً هو سير المواقع الالكترونية على هذا النحو رغم أن الجمهور المستهدَف عند هذه المواقع لا يخضع لطبيعة جغرافية، ولا مكان لمفهوم "المحلّية" عند الإنترنت، إلا أنها لا تختلف عن المطبوعة في التوجه إلى تجمّع فلسطيني بعينه يكون عندها هو "الفلسطيني".

قد يفكّر أحدنا بأن ذلك انعكاس للتشتّت الفلسطيني منذ النكبة وهذا طبيعي، صحيح، لكننا لم نختر أن نتشتّت، وهذا صحيح أيضاً. المشكلة أننا اخترنا أن نتشتّت صحافياً وثقافياً، اخترنا أن نبني تشتّتاً ثقافياً على تشتّتنا الجغرافي والاجتماعي ولسنا مضطرين لذلك. ليس هنالك ما يفرض علينا تشتتاً ثقافياً، إلا أن صفحاتنا الثقافية بمحرّريها هي من اختارت أن تكون انعكاساً لحالة فلسطينية لم نخترها كفلسطينيين.

كتبت مرة عن الحاجة لمجلة ثقافية فلسطينية تكون ثقافية بكل ما يمكن لهذه الكلمة أن تحوي، وفلسطينية بكل ما في هذه الكلمة من تجمّعات، وأجدني الآن أعيد طرح الهمّ ذاته؛ الحاجة لمجلّة أو صفحات يكون النتاج الإبداعي الفلسطيني فيها خبرا محلياً، رئيسياً، بغض النظر عن الحالة الفلسطينية للمبدع، أو نوع الجواز/الوثيقة الذي يحمله، أو مكان إقامته/منفاه الإجباري أو الاختياري.

لم أجد ما يمكن أن يزيل ولو شيئاً بسيطاً من تشاؤمي إزاء حالة الصحافة الثقافية الفلسطينية في 2011. وهي ما لا ترتقي للحالة الثقافية الإبداعية إجمالاً، هذا ولم أطلب أن تكون الصحافة الثقافية نتاج إبداعي بحد ذاته، فهي لا تكاد تقدّم خدمة ثقافية، رغم أن دورها يتعدّى الخدمة والنقل والتغطية إلى صناعة الثقافة. يؤسفني حالنا كلّما فكّرت بيُتم النتاج الثقافي الفلسطيني وانتقاله للصحافة العربية لتلقّي الرعاية، وكذلك كلّما فكّرت بالحال المتدهور لصحافتنا الثقافية إذا ما قارنّاها بشقيقاتها اللبنانية والأردنية والمصرية..

إن كان لا بدّ من تسميات، فلأبدأ من حيث الحراك الثقافي الفلسطيني الأكبر، أي في الداخل الفلسطيني في أرض الـ 48. فمفهوم الثقافة الفلسطينية عند الصحافة هناك ينحصر في معظمه فيما ينتجه المجتمع المحلّي، ولا تفلت من ذلك صحف "الاتحاد" و"فصل المقال" و"كل العرب" وموقع "عرب 48" وغيرها. ثم في الضفة، صحيفة "الأيام" وصفحتها الثقافية الأسبوعية متقشّفة وهزيلة ومتواضعة، وتنحصر في رام الله، وضواحيها في أحسن الأحوال، أما "الحياة الجديدة" و"القدس"، فلا ثقافية فعلية لديهما، مجرّد منوعات خفيفة. أما في غزّة، فلصحيفة "فلسطين" صفحات يسمّونها جزافاً بالثقافية. وفي المخيمات خارج الوطن، هنالك مجلات "الهدف" و"الحرية" وغيرها، والثقافة الفلسطينية، عندها كذلك، تنحصر في معظمها فيما ينتجه مبدعو ومثقّفو تلك المناطق، وهي صفحات بائسة على كل حال.

أتكلّم هنا عن التشتّت الثقافي لهذه الصحف. أما -وضمن مفهومهم المشوّه للثقافة الفلسطينية- جودة العمل الصحافي الثقافي لديهم، فهي مأساة أخرى سأعفي القارئ عن إتيانها عند نهاية هذه السنّة وفي موسم الأعياد.

لا أطلب الكثير، فقط أن يولي محرّرو كل من هذه الصفحات النتاجَ الفني والأدبي الفلسطيني الأهمية ذاتها بغض النظر عن التشتّت المفروض على هذا الشعب منذ نكبته. فقط أن يأخذوا الثقافة الفلسطينية بمفهومها الأشمل، لا الضيق المجزوء المحلّي جداً كأن فلسطين قابلة للانشطار لتكون كل من حيفا والناصرة ورام الله وغزة واليرموك وعين الحلوة "فلسطينات" مكتلمة مكتفية بذاتها.

لنتخطّى أولاً هذا الفهم الضيق لفلسطين ثم نحكي عن "جودة" هذه الصفحات، وهو من بين أسوأ ما فيها، حتى نهاية العام 2011 على الأقل.

 

في القدس العربي