عدنان كنفاني يحكي لـ "رمّان":

ما لم نعرفه عن أخيه غسان الطفل والإنسان والأخ

 

 

أجرى الحوار: سليم البيك

غسان هنا قد يختلف "قليلاً" عمّا عرفناه، لسنا نتناول هنا لا السياسي ولا الأديب ولا الصحافي، بل غسّان الطفل والإنسان، ومن نظرة عائلية عبر أخيه وصديقه عدنان كنفاني، في حوار يحكي فيه كنفاني من ذكرياته ومن مذكّرات والديهما، وقد دوّن كثيراً من ذلك في كتاب صدر قبل أكثر من عشر سنوات بعنوان "غسّان كنفاني، صفحات كانت مطويّة"، للأسف لم يُسوّق جيّداً. هنا، وفي جزء من هذا الحوار، إعادة اعتبار للكتاب، للذكريات، لغسّان الطفل. وهنا سنقرأ الكثر من الجديد عن غسّان، سننسى قليلاً المناضل، سنعرف غسّان، هنا، كما لم نعرفه من قبل. أعتذر «مرّة أخرى» من عدنان كنفاني لتحريضه على إعادة نبش تلك الذكريات وما يرافقها من ألم، وأشكره عليه، وعلى الصور التي خصّصها لرمّان.

 

 

- قبل النكبة، وقبل الحديث عن غسان أثناء رحلة التهجير، وبعدها في حياة اللجوء، ماذا تخبرنا عن شخصية غسان الطفل في تلك الفترة، من بين ما عرفته من حكايا الوالدين ربّما، ومن بين ما شهدته أنت وما تذكره؟

أعتقد أن سؤالاً آخر يكمن في صلب هذا السؤال وهو عن الملامح الأوّلية، الطفلية، التي أفرزت، فيما بعد، شخصية غسان كنفاني.. وهنا أستعير من مذّكرات والدي المرحوم المحامي محمد فايز كنفاني ما كتبه عن غسان في تلك المراحل، فقد كتب: (غسّان طفل هادئ يحب أن يكون وحده في غالب الأوقات. مجتهد ويميل إلى القراءة، يحب الرسم حباً جمّاً، مهمل وغبر مرتّب ولا يهتم بملابسه وكتبه وطعامه، وإذا ذهبنا إلى البحر، وغالباً ما نفعل "كان بيتنا في يافا قريباً من الشاطئ" يجلس وحده، يصنع زورقاً من ورق، يضعه في الماء ويتابع حركته باهتمام.

قال لي مرة وكان عمره سبع سنوات: بابا أنا أحب الألمان أكثر من الإنكليز!

سألته لماذا.؟ فقال: لأن الإنكليز يساعدون اليهود ضدّنا.!)

أما عما تختزنه ذاكرتي عن غسان في تلك المرحلة العمريّة، وهو يكبرني بأربع سنوات رحمه الله، فأذكر كيف كنا في تلك السن المبكّرة جداً، نجلس حوله نستمع بشغف إلى حكاياته التي ينسجها من وحي خيالاته، ويسلسلها حلقات، يثير دهشتنا.

- ماذا تخبرنا عن حياة الأسرة في عكّا قبل التهجير؟ وعن غسان تحديداً؟

للتوضيح أقول، نحن أصولنا من مدينة عكا، عائلة والدي وعائلة أمي من عكا، لكن عمل والدي كمحامي، وإقامتنا، كانت في يافا، لكن المفارقة الملفتة أن غسان وحده من بين الأخوة والأخوات كلنا ولد في عكا أثناء زيارة لنا، ولأن والدي وهو الحريص على دقّة التوثيق، سجل الواقعة بحذافيرها، بما يشير بأن غسان ولد في عكا في شهر نيسان من العام 1936 ولا ضير أن أقول وأقرر بأن حياتنا في فلسطين بشكل عام كانت حياة مستقرّة من كل النواحي تقريباً، فوالدي من أوائل المحامين، مما وفر للأسرة حياة رغيدة على كل المستويات، بما في ذلك الإشراف على التعليم، وفي بيئة أسرية نخبوية ثقافية أدبية ومنفتحة على العصر والعلوم، وأذكر أن غسان، وهو الثالث في الترتيب بعد أختي الكبرى فايزة رحمها الله، وأخي الشهيد غازي رحمه الله، كان يتلقّى العلم في مدرسة "الفرير الخاصّة" في يافا، وللوفاء لا بد أن أقول بأن والدي رحمه الله كان حريصاً، صقل ثقافتنا وطنياً واجتماعياً وإنسانياً على أسس أخلاقية، وعبر إشراف مستديم، وتوجيه بعيد عن سطوة التدريس.

- حلّ عام النكبة وغسان لم يتجاوز عامه الاثني عشر، أخبرنا عن غسان الطفل في مسير التهجير إلى جنوب لبنان؟

لقد حفرت النكبة، في أسرتنا، وفينا، كما حفرت في كل الجيل أخاديد مؤلمة، وشكّلت بتداعياتها المأساوية نقلة رهيبة، ومرعبة، ولم تكن تلك النقلة عابرة الأثر، بل أفرزت معاناة من نوع لا يمكن لأي كان أن يحسّها أو يقدّر تداعياتها غير الذين عاشوا مرحلتها وما بعد، فالأمر ببساطة التعبير والشرح هو نقلة من يملك كل شيء إلى من لا يملك شيئاً على الإطلاق، هو موت، لكنه موت مستمر، يومي ولحظي، أن يصحو أيّ كان على فراغ وبؤس، أن يرى بأم عينيه ذلك الهرم الذي رصف على عتباته أمنياته ومستقبله، وبناه حجراً فوق حجر، في مكان هو الوطن، والبيت، والأمان.. وفي فسحة زمن هو يصنعه ويحدده ويتناغم على إيقاعه، ثم.. ذات فجأة، يرى كل شيء يتهاوى، ولا يملك غير القهر ومواصلة الموت من أجل صراع جديد لبناء حياة أخرى..

في هكذا مشهد تراجيدي مأساوي عاش غسان، كما عاش الجيل كلّه، ولأن غسان يحمل جينات محددة، كما غيره من الذين وقّعوا ببصماتهم الخاصة على سفر التاريخ، شكّلت المأساة فيه بذوراً جديدة ومتجددة، راكمت موهبته فسخّرها "أدباً وسياسة ، وإنسانيةً وممارسات نضالية" للتوثيق والحقيقة، وزيّنها بشمعة أمل يبّث من خلالها للأجيال قيمة الانتماء للوطن، كانت النكبة بأحداثها ومجرياتها وتداعياتها الشرارة التي فجّرت في غسان كل الطاقات التي يختزنها دفعة واحدة، وعلى كل المسارات التي سلكها وأبدع فيها.

- ماذا تذكر عن غسان في لبنان بعد التهجير، قبل ذهابكم إلى حمص عبر القطار، ولماذا نزلتم في حمص تحديداً ثم تركتموها متجهين إلى «الزبداني» في دمشق؟

لقد ذكرت في كتابي (غسان كنفاني صفحات كانت مطويّة) كثير أحداث عن مرحلتي الطفولة والصبا عن الشهيد غسان، وكان لرحلة اللجوء المرّ نصيب كبير في ذلك السرد لأنني حرصت على الحديث فيها عن تلك المرحلة الهامة من حياة غسان، كما عشتها حقيقة، قد لا يعرف عنها أحد كما عشتها وعرفتها عن قرب لصيق، وعلى اعتبار أنها مرحلة في حياة غسان، أنموذج لحياة ومعاناة الجيل كله، فقد توالدت الأسئلة في رأسه، وكان يبحث عن طيوف أجوبة، وأمسك ببعض تلك الطيوف من خلال مواقف تبدو صغيرة لكنني أراها كبيرة عندما تأتي من فتى لم يبلغ الثانية عشرة بعد، وعلى سبيل المثال كي أضيء على تلك المفاصل: (حدث في قرية "الغازيّة" التي استقبلت أول اللجوء المرّ، وكنا نحمل أواني فقيرة كي نأتي بالماء من مكان بعيد، وقد أشرقت الشمس قبالتنا تماماً، أذكر أنها كانت تشرق من الجهة الأخرى في بيتنا المستلقي في حيّ المنشية على شاطئ بحر يافا..

سألت غسّان.. كنت صغيراً في الثامنة من عمري: هذه شمسنا.؟

أسند ظهره الضئيل إلى جذع شجرة كبيرة، أجابني بحزن: إنها الشمس ذاتها.. نحن فقط أدرنا ظهورنا.!)

لكنّه، وعلى مدار الوقت كان يشّد فينا فطرة الصمود والأمل والترقب، وعندما غادرنا الغازية، بعد أن أدركنا جميعاً أن وعد التحرير، والعودة، وشعارات سبع جيوش عربية تنادت لدخول معركة فاصلة لن تستغرق أكثر من أيام معدودة يتحقق فيها النصر المؤزّر، فاخرجوا كي نتمكّن من القتال، ونعيدكم بعد أيام.. أدركنا بعد كرّ الأيام تباعاً أن الأمر مرّ كالعلقم، والحقيقة أصعب من أن يفسّر مفرداتها، أو يعبّر عن مكنوناتها أحد، غادرنا الغازية إلى صيدا، ومنها في قطار معدّ لنقل الحيوانات إلى سورية، وفي حمص أصرّ والدي على أن ننزل من القطار الذي كان متوجّهاً إلى مدينة حلب، أما عن إصرار والدي التوقف في حمص فقد كان يقصد منذ البداية التوجّه إلى الشام.. دمشق، فله فيها أصدقاء كثر، وبخاصة الشيخ محمد الأشمر رحمه الله، وصديقه الأثير المرحوم محمد ياسين الذي سبقنا في اللجوء إلى دمشق، وإلى مدينة الزبداني في ريف دمشق، واسمح لي أن أنقل مقطعاً من كتابي آنف الذكر ربما يعبّر عن بعض معاناة عشناها في الزبداني: (تحملني الذكرى.. تشّدني، تثبّتني على كرسي منخفض تقاسمت مع غسّان الجلوس عليه منذ الصباح الباكر، فقد قرّرنا قبل بزوغ الشمس.. أن ننتظر ذبيحة الشيخ سعيد جزّار القرية الوحيد، لنحمل أحشاءها وأطرافها قبل أن يلقي بها في القمامة..

عاد الضباب يملأ بطن الوادي.. اختلطت الصور.. ربما رأيت. بل رأيت والدي ينتفض ثائراً، يرغو ويزبد، يحمل الطعام المطبوخ، ويسفحه.. نعم.. الأحشاء والأطراف.!

ثم يركض إلى الغرفة الضيّقة، أراقبه من خلف الزجاج السميك، يعانق صندوقنا الخشبي المغطى بصفائح من التنك الملّون والمسامير النحاسية، يفتحه، يعبث بداخله، وينتزع من أسفله شيئاً رأيت مثله من قبل، يقرّبه من رأسه..

تنقّض عليه أمّي وغسّان وفايزة، يصارعونه والقطعة السوداء التي يحملها.. ينتزعونها من يده.. وينتهي المشهد..!

في الطريق إلى النبع سألت غسّان: ضاع الطعام.؟

أجاب دون أن ينظر في وجهي: لأننا لا نحب اللحم.!

قلت: ـ أنا أحبّه.!

قذف حجراً بمقدمة "صنّدله" المقطوع وتمتم: إذن عليك أن تتعّلم كيف تكره ما تحب..

صمت لحظة وأردف: أو تحب ما تكره..!)

- وماذا عن فترة وصولكم إلى دمشق، وعن غسّان في حينها؟

بعد إقامتنا في الزبداني مدة من الزمن عانينا فيها الأمرّين في البحث عن قوتنا اليومي، مما اضطرنا جميعاً غازي وغسان ومروان وأنا العمل في أعمال بسيطة وكثيرة وبدائية كي نحصل على قروش تسد رمق الأسرة، واسمح لي أن أستعير، مرة أخرى، مقطعاً من كتابي آنف الذكر، ربما يفيد جواباً عن سؤالك: (يأخذنا والدي إلى الحلاّق في آخر الشارع المستقيم الضيّق الذي يكاد يتّسع (للترامواي) ذهاباً وإياباً والعدد القليل من السيارات والكثير من عربات الحنطور وعربات النقل المختلفة التي تجرّها البغال أو الحمير، وزحمة الباعة في حيّ الميدان بدمشق.

هذا الطريق المنتهي (ببّوابة الله) وقبل أن نصل بأمتار قليلة إلى صالون الحلاقة، ندخل في زقاق ضيق ونسير دورة كبيرة لنعود من الطرف البعيد إلى الشارع المستقيم نفسه، وهكذا في طريق العودة دون أن نجد لذلك تفسيراً..

كنا نعلم أننا لو نسلك استقامة الطريق، نختصر المسافة.. ورغم ذلك لم نجرؤ على مخالفة والدي وإصراره على أن ندخل الزقاق وندور دورتنا الطويلة كل مرة لنتجاوز ما لا يزيد عن عشرة أمتار ليس أكثر..

اكتشفنا أيضاً، فيما بعد أن مضافة الشيخ "محمد الأشمر" تقوم بين مسافة الأمتار العشرة هذه..

كان والدي يهّرب بسيارته الخاّصة عن طريق لبنان بعض أنواع من السلاح والذخيرة المطلوبة والضرورية للثوّار السوريين إبّان كفاحهم ضّد المستعمر الفرنسي ويسلّمهم شخصيّاً للمجاهد الأشمر، ويحمل في طريق العودة من طريق لبنان أيضاً أصناف سلاح أخرى للثوّار الفلسطينيين.. وغالباً ما كانت ترافقه فتاة صبّية متطّوعة من الثوّار لا على التعيين، ليبدو الأمر وكأنه رحلة حب لعاشقين، وزيادة في التمويه..

في صباح يوم ماطر، وبينما كان والدي في السوق القريب، وأمام أحد حوانيت بيع الخضار يشتري لوازم للبيت، لفتت انتباهه حركة وجلبة، سمع أحدهم يقول: الشيخ.!

وقبل أن يتوارى، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام الشيخ محمد الأشمر.

تعانقا طويلاً، وذرفا الكثير من الدموع، وتبادلا الكثير من الكلام، سمعت الشيخ يقول: حريّ بغيرك أن يخجل.

في مساء ذلك اليوم، وقفت أمام بيتنا عربة طويلة يجرّها حصان قوّي، أفرغت حمولتها من السكر والرز والصابون والسمن والطحين واللبن وبعض الملابس، على عتبة بيتنا، قال صاحب العربة: هدّية من الشيخ محمد الأشمر)

- لمَ لم تنشروا بعد مذكّرات والدك؟ وما الذي يذكره والدك عن غسان في مذكراته، هل يمكن أن تنقل لنا مقتطفات منه؟

صدقني هي أمنيتي أن أتمكّن من نشر المهم والمفيد من مذكرات والدي رحمه الله، ولكنه ليس بالأمر السهل ولا الهيّن، فهي مذكرات بدأ والدي بكتابتها يومياً منذ العام 1924، وحتى العام 1983 قبل وفاته بسنة واحدة، وهي عشر مجلدات مكتوبة بخط اليد، مذكّرات مختلطة جداً ويومية جداً، خاصّة وعامّة، تحتاج إلى كثير جهد لتصنيفها واستخلاص مفرداتها كل على حدة، وهذا لا بد سيستغرق وقتاً وجهداً، تقف أمامي وفي وجهي كثير ظروف ماديّة ومعنوية تحول دون قدرتي على التفرّغ على الأقل سنوات لإنجاز هذا المشروع، وقد ورد في كتابي كثير مقاطع من تلك المذكرات، وبما يخصّ الشهيد غسان على وجه التحديد: (ذكر والدي رحمه الله في مذكّراته: بتاريخ 12/2/1950 أرسلت تحريراً إلى وزير خارجية إيطاليا بشأن ميول غسّان. وأنا شخصياً لا أشك بأن المستقبل باسم وزاهر أمام غسّان، خصوصاً في الرسم والخط والأدب العربي سواءً في نطقه أو كتابته أو ارتجاله..

في 21/2/1950 انتقل غسّان إلى مدرسة الثانوية الأهلية مديرها المربي سليم اليازجي استعداداً لتقديم فحوص الشهادة الإعدادية (البروفيه)..

وفي مكان آخر كتب يقول: (تأكدت اليوم أن غسّان منتسب إلى حركة القوميين العرب ويعمل في جريدة الرأي الناطقة باسمهم ويقضي معظم أوقاته في مكاتبها، وقد اعتصم مع رفاق له في مكاتب جريدة "الأيام" السورية من صباح الاثنين 25/4/1955 وحتى مساء الأحد 1/5/1955 مع إضراب عن الطعام، لتحقيق مطالب تتعلق بالمعلمين، كما أنه عمل في جريدة الأيام منذ بداية حزيران 1955 حتى أواسط آب 1955 من الساعة 9 إلى 12 ليلاً براتب 100 ليرة شهرياً.

في 12/9/1955 سافر إلى الكويت للعمل كمعلم في مدارس المعارف براتب 721.25 روبّية..

يقول والدي باختصار: كانت رسائله لنا رائعة..!

كما كتب والدي في مذكّراته:

(كنت أتمنى أن يكون غسّان وأخوته المشتتون في أنحاء العالم إلى جانبي نعيش معاً في بيت واحد ساهموا جميعاً في إرساء أساسه، لكنني رغم ذلك أقرأ لغسّان كل يوم وأعرف المقالات التي يكتبها بأسماء مستعارة. أخاف عليه، وأفخر به، أحسّ أنه سيصير ذا شأن عظيم، أحسّ به امتداداً لنا. فقد خلقت فيه المعاناة بشتى صورها وأشكالها والتي عاشها يوماً بيوم الصورة الحقيقية للفلسطيني..

وفقك الله يا غسّان.. يا قطعة غالية من كبدي..)

- كما ذكرتَ في كتابك "صفحات كانت مطويّة" فقد كانت هديّة اختكم الكبرى فائزة لغسان حين استلمت راتبها الأول قلم حبر فاخر، وقد كتب فيه غسّان نصوصه القصصية والإذاعية الأولى، وشكّل القلم حافزاً رئيسياً لعشق غسان للكتابة، ماذا تروي لنا عن تلك الأيام؟

أذكر تماماً هديتها لغسّان.. "قلم حبر فاخر" احتفظ به لزمن طويل، وكتب به في تلك الفترة أيضاً أولى القصص ونصوص التمثيليات التي قدمّت في الإذاعة السورية "برنامج ركن الطلبة" أحياناً، وعلى صفحات جريدة الأيام في أحيان أخرى، ويذكر باعتزاز، أن القلم الفاخر الأول "يعني ذلك القلم" شكّل حافزاً هامّاً ورئيساً لعشقه للكتابة.. وقد كانت فايزة رحمها الله أمنا الثانية كما أصفها دائماً وراء نجاحاتنا جميعاً، وكانت بالنسبة لغسان، الأم الروحية الناصحة والأمينة على مسيرته الأدبية، كانت حريصة على أن تتدارس مع غسان وتناقش ما يكتب أو يرسم.. ولا بد أن يلي ذلك، الدرس اليومي الإلزامي في أصول وقواعد اللغة العربية وفي قراءة ما تيسّر من سور القرآن الكريم التي تصّر فايزة على أن يقرأها تجويداً بصوت مرتفع وجهوري مرات ومرات ليتمكّن -كما كانت تقول- من إتقان النطق والوقوف الصحيح على مخارج الحروف وتشكيلها والبيان السليم لمواقف التعجّب أو الدهشة أو التساؤل ....الخ.

وهذا ما أرسى منذ البدايات الأسس الصحيحة والقويمة في نسيج غسّان اللغوي والأدبي. كان له الفضل في إبداع الصور الوصفية البالغة الدقّة، واللغة المتقنة، والبناء المترابط للرمز الأساسي وما حوله لأبطال وأحداث القصص والروايات التي كتبها فيما بعد..

لا شك في أن والدي اكتشف في مرحلة سابقة جداً نبوغ غسّان الفطري المبكّر، كما اكتشفت فايزة فيما بعد هذه الحقيقة أيضاً.. كانت تشتري له الأقلام والدفاتر الجميلة، والكتب الجيّدة، وأوراق الرسم وأقلام الفحم والألوان، وتقف بحذر وتهيّب وحنان وراء موهبة غسّان، تقرأ ما يكتب، وتدرس معه الكلمة والموضوع والهدف، وكثيراً ما كانت تقسو عليه بنقدها..

ولا شك بأن غسّان أدرك في شبابه المبكّر "وهو ينفطر ألماً" كيف ولماذا اختارت فايزة أن تقاتل على جبهات متعددة في سبيل تحقيق وتنمية أهلية البقاء الكريم للأسرة، بل والصعود بها للتحليق في أكثر المجالات..

وهذا بالتحديد ما خلق بينهما "ولميس" التي استشهدت معه، فيما بعد، علاقة حب من نوع عاصف، أثمرت أجمل الرسائل والخواطر وأدّق المشاعر والأحاسيس التي كتبها غسّان خصيّصاً لهما، وأهداهما بواكير إنتاجاته الأدبية..

كانت فايزة قوية وصلبة، رأيتها يوم ماتت أمي تكاد تنهار، ثم تماسكت بسرعة خاطفة.

يوم استشهدا، غسّان ولميس.. انهارت، وتحطّمت، تمنيّت من كل قلبي لو أفتدي حزنها بروحي.

- وكيف كانت علاقة غسّان مع اخوته إجمالاً، ومعك شخصياً، كيف تذكر غسّان الأخ الأكبر؟

يكفي أن أقول أنه مثلي الأعلى، وكنت أعتبره نبع المعرفة في كل شيء، وكان معي وإلى جانبي في كل مرحلة من مراحل العمر، كان عطوفاً وبارّاً بأسرته ووالديه، وكان إلى جانبنا بروحه وعطائه وقلبه الكبير، ولذلك، ومن منطلق الوفاء ما زلت أكتب عنه وعن مآثره، وما زلت أنزف حزناً على فراقه الصعب، لكن ما يعزيني أنه، حتى في رحيله أصرّ أن يضع على جباهنا جميعاً نجمة اعتزاز وفخار.

- أخبرنا عن فترة تعيينه أستاذاً للفنون من قِبل وكالة الغوث (الأنروا) أواخر 1952 في معهد فلسطين (الأليانس)، خاصة وأن والدكما أراد إرساله إلى مدرسة تعليم الملاحة الجوية.

كان صغيراً، وقد حصل على الشهادة الإعدادية فقط في حينه، وتهيأت له ظروف للتعيين كمدرس لمادة الرسم والفنون في معهد فلسطين وكنت طالباً فيه، وقد أثبت حضوره الملفت عند الجميع بعد قليل من المشاكل مع الطلاب، أذكر أنه في أول حضور له بين الطلاب في الصف، ومن بينهم من هو أطول منه قامة، كان ذلك بتاريخ 18/11/1953 يوم باشر غسّان العمل في مدارس الوكالة كمعلم لمادّة الرسم في معهد فلسطين، الأليانس إلى جانب مواصلة دراسته للشهادة الثانوية.. يومها جرى التعارف بينه وبين الأستاذ محمود فلاّحة الذي عرّفه على الدكتور جورج حبش. وأعتقد أن ذلك اليوم كان بداية انتمائه إلى "حركة القوميين العرب"..

ومع عمله كمعلّم في مدارس الوكالة، عمل أحياناً كمعلم أيضاً في مدرسة دوحة الوطن الخاصّة، وعمل لفترة قصيرة كرسّام في مكتب مجلّة "الإنشاء لصاحبها نجيب الحفّار"..

كنت تلميذاً في الصف السادس الذي دخله غسّان في الحصّة الثالثة لأول مرّة، وبعد أن قدّمه المدير للطلاّب خرج وتركه "كما تصوّرت" غارقاً في حيرة، فقد لاحظ بلا شك، أن قامات مجمل التلاميذ بوقوفهم للتحية أطول من قامته، وأن معظمهم أيضاً بمثل سنّه أو ما يقارب، ولا بد من أن ذلك أوقفه للمرة الأولى أمام تجربة فريدة، وقد لاحظ أيضاّ "كما لاحظت" أن بعض التلاميذ أخذوا يغمزون من تلك الزاوية بالتحديد، تمالك، ورأيته يشد على أسنانه بقوة، وعلى قبضة يده.. أمسك قطعة الطبشور وأدار ظهره للتلاميذ، كتب بخط كبير وجميل.. "درس الرسم" وانتبه فجأة إلى حركة غير عادّية أعطته الفرصة للدخول إلى الأمر الهام الذي تصوّرت أنه يناضل للوصول إليه، شّد ظهر الكرسي بقبضة يده الواحدة، وألقى بقطعة الطبشور بعيداً، وقال: أعرف أنكم لم تتوقعوا أن يحدث ويصبح مثلي أستاذاً عليكم، هذا أمر لن أتحدث بتفاصيله الآن على الأقل، المهم أنني هنا معكم وبينكم في صّف واحد، قد نكون متقاربين بالسّن والقامة، الفرق المهم هنا "وأشار إلى رأسه" كما أنني أملك السلطة، وأستطيع أن أمارسها ببساطة وكما يتّطلب الأمر على شكليها.. وأنتم تقررون ذلك.. ثم نظر طويلاً في وجوه الجميع، وكنت طيلة الوقت أجاهد كي لا تلتقي نظراتنا. أتلهّى بالنظر في وجوه رفقائي أبحث عن صدى الكلمات الكبيرة التي قالها، لكن أحداً لم يعّلق بكلمة أو بحركة، عاد ثانية إلى اللوح، كتب من جديد: معرض فلسطين للرسم والأشغال..!

- دخل غسان مرّة إلى الصف وكتب على اللوح: أرسم منظراً مرعباً...

كان ذلك في حصّة درس فنون للصف السابع الذي كنت فيه طالباً، فقد دخل غسان بثقة هذه المرّة قاعة الصف، توجه إلى اللوح وكتب بخط واضح: أرسم منظراً مرعباً..!

اجتاحت الطلاّب مشاعر متفاوتة بين الاستغراب والحماسة، وبدأت الأقلام ترسم أشكالاً من التصورات المرعبة.. أحدهم رسم بحراً متلاطم الأمواج، بينما رسم آخر غابة كثيفة، وثالث رسم دبّابة أو طائرة ورابع رسم وجه وحش بأنياب طويلة حادّة.. وهكذا توالت الرسومات على الطاولة أمام غسّان الذي كان يتابع كل رسم بانتباه، ثم يشطبه، ويضيف على ذيله عبارة مقتضبة: مخيف.. وليس مرعباً..!

وحين انتهى الجميع من تقديم أعمالهم، توجّه غسّان إلى اللوح، رسم دفتراً مفتوحاً، لوّنه بالأحمر، وكتب تحته بخط عريض.. (دفتر الإعاشة).! ساد الصمت، في اللحظة نفسها دخل مدرّس اللغة العربية الأستاذ (محمود فلاّحة) قاعة الصف ليراقب عن كثب ولكثرة ما سمع عن ذلك الشاب الضئيل الهادئ، النموذج الديناميكي للفلسطيني الحديث الذي استطاع بزمن قياسي ومن خلال تدريس الفنون والرسم والأشغال "المادّة الهامشية" البعيدة عن اهتمام الفقراء اللاجئين الدائرين حول محيط حلقة فيها ألف هّم وألف مشكلة وألف سؤال.. كيف استطاع أن ينحّي شعور الاستسلام السائد، وأن يخلق ساحة مختلفة وسابقة عن الفلسطيني المهزوم والمقهور تنقله وتضعه في مقدمة استحقاقات أخرى أهمها القدرة على الفداء وتجاوز الحالة، ورسم صورة جديدة للفلسطيني "الفدائي" لم تكن واضحة المعالم بعد..

- ماذا عن رسائله لكم، هل لازلتم تحتفظون بها؟

يقول والدي في مذكّراته كلمات قليلة قد تعبّر عن جواب لسؤالك، يقول باختصار: كانت رسائله لنا رائعة..! نعم نحتفظ بكل قصاصة كتبها فهي أرثنا الكبير..

- كيف تلقّيتم خبر إصابة غسّان بالسكري؟ وكيف تلقّى هو الخبر؟

أنت بسؤالك تحرّك في داخلي الماء الراكد، وتوقظ في داخلي أفانين الألم، واسمح لي أن أنقل هنا ما كتبته في كتابي حول هذا الموضوع تحديداً: (هذا الأفق المغبّر ذاته، سرب ذرّات الرمال الدقيقة إلى الحناجر والصدور، يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة.. ضاعت آلامها وتلاشت أمام عظمة الحلم، طحنها الأمل المتقّدم لرؤية بيت شاهق، فوق كل حجر فيه دمعة من أمّي، ونقطة عرق أثيرة تشارك فيها فايزة وغازي وهو.. وآه حزينة مكبوتة من أبي، وهو يرتفع، يختم على آلام المرض والغربة والشقاء ويصيّرها حجارة.. ويرتفع..

ما تزال الوجوه جاّفة، وما زالت الصحراء تطوي الناس والليل والشمس، تختصرهم في عيون طفلة هي ذاتها القادرة على عبور الصحراء سيراً على قدمين ذات يوم، ذاتها وهي ترضع المأساة تنسج خلايا النصر. هكذا قرأ على صفحة الرمل.. والرمل يسير أيضاً..

دارت حجارة البيت المقدّسة، ودارت الدنيا، حملوه إلى المستشفى، وحين فرغ الطبيب المناوب من وصلة غزل مع ممرّضة رخيصة، تمتم بقرف: إلتهاب في الأذن الوسطى..

همست أمّه: رائحة السكّري…!

ابتسم بسخرية..

رفع رأسه ونظر بإصرار هذه المرّة إلى المرأة على المقعد الثاني، امرأة تعرف من الرائحة، وطبيب أحمق، الأمر خطير بلا شك.. هذا السّكر اللعين تنخفض نسبته بالدّم فتحدث الإغماءة، عليك ساعتها بقضم قطعة من السكر، أو بحقنة سكر، وعندما ترتفع النسبة يصبح (الأنسولين) ضرورياً، وعليه أن يواجه ويصارع ويتعّلم، متى وكيف..

هكذا أمامه يسقط الشارع، ويزحف مستقيماً إلى ما لا نهاية، لم يعد يذكر الصحراء، فقد غزاها وانتهى الأمر.. ولا بد أن يبدأ السباق..

في العالم الذي مخر عبابه على مدى أربع وعشرين سنة، لم يجد متسّعاً حقيقياً لرعشات ريشته، كان الورق أضيق من غزارة القلم، واللسان أطول من الأذن، والعمر قصير، والسياط تملأ الأمكنة كلها.

بدأ السباق مع الموت إذن.)

- إلى أي حد يمكن اعتبار غسان كنفاني ملكاً لأسرة أو لحزب أو حتى لشعب بعينه؟

على الرغم من العبء السياسي العملياتي الذي كان يشغل غسّان، وعلى الرغم من أنه كان يتبع ايدلوجيا معينة، وعمل صحفياً، إلا أنه استطاع من خلال أدبه أن يدخل في عمق الهم الإنساني للفلسطيني، وتحدث عن القاع الفلسطيني، عن المخيمات وناسها ومعاناتهم، وعن الأمل، فكان بذلك ضمير الناس، وحقق هذا الانتشار والتقدير بين فئات الشعب الفلسطيني، وعلى ذلك، فهو ابن أسرتنا، وشقيقي، لكنه خرج من خصوصية الأسرة إلى العام، ليس الفلسطيني فقط بل العربي والعالمي.

- هل عارض أحد في البيت انتماء غسان إلى حرك القوميين العرب في حينه، أم كان هنالك تقبّل وربّما تشجيع لذلك؟

لقد تربينا في ظلّ الأسرة، ومع أب متنوّر وتقدمي يشتغل بالمحاماة، على مجموعة قيم وطنية وقومية وإنسانية، ودعني أقول إن والدي رحمه الله هو الذي أسس فينا رغبة الانتماء إلى حركات وطنية وقومية، وقد سطع نجم القومية العربية في ذلك الوقت من خلال حراك المفكرين مثل ساطع الحصري وغيره، وكان من الطبيعي أن ينتسب غسان إلى تلك الحركة الطليعية، بل ويكون أحد المؤسسين فيها، وبالتأكيد لم يعارض أحد، وبخاصة عندما وصلنا العلم بانتمائه للحركة بعد وقت، ودعني أستعير مما كتبه والدي في مذكّراته: (تأكدت اليوم 6/3/1955 أن غسّان منتسب إلى حركة القوميين العرب ويعمل في جريدة الرأي الناطقة باسمهم ويقضي معظم أوقاته في مكاتبها)، وكان هذا هو رد الفعل الوحيد حول الانتساب.

- هل أثر انشغاله السياسي والحزبي على حضوره في البيت؟

إن ما يحسب لغسان رحمه الله تميّزاً هو قدرته على إعطاء كل ذي حق حقه، وكل مسألة حجمها وضرورياتها، وأستطيع أن أقول بأن غسان، وبعد انشغاله بالعمل السياسي اقترب أكثر من دفء الأسرة، وكان حضوره في البيت وبيننا حضوراً وانتماءً دائماً وواعياً.

- ثم بعد ذلك، هل كان لكم أي تخوّف على حياة غسان بعد تأسيس الجبهة الشعبية واستلامه المسؤولية الإعلامية فيها؟

ندرك جميعاً أن الاشتغال بالعمل الوطني ومساراته السياسية والنضالية تجعل من المُشتغل مشروع شهيد، ولكننا وإلى جانب ذلك، ومن خلال اشتغال غسان بالعمل السياسي والأدبي، وخاصة في البدايات لم يكن هذا الهاجس يقلقنا، لكنه بدأ يكبر عندما أصبح غسان الناطق الرسمي السياسي للجبهة، وأصبح المصدر الأهم للمعلومات التي يسعى إليها الكثيرون من الإعلاميين «العرب والأجانب» في العالم للتعريف بالقضية، وبعد أن أصدر كتابه الهام جداً (في الأدب الصهيوني)، والذي عرّى فيه دور الأدب في بناء وتكريس الفكر الصهيوني.

- أكان يوفّق بين أهله ومسؤوليته المختلفة؟

هنا يكمن تماماً التميّز الذي طبع غسان في مسار حياته، نعم كان أفضل من يوفق بين كل هذه المسارات وبحضور متميّز أيضاً.

- كيف التقى بزوجته آني كنفاني؟

سأترك للسيدة آني الإجابة على سؤالك، تقول السيدة آني زوجة غسّان.. (يوم التقيت غسان لأول مرة في بيروت، أخبرته أن مرادي زيارة المخيمات الفلسطينية، غضب وقال أنه لن يقبل ولن يفعل قبل أن أتّعرف أكثر على المسألة الفلسطينية برّمتها.. كنت متحمّسة لزيارة المخيمات، لكنني بعد جوابه لم أحس بالإهانة..

تتابع السيدة آني.. بعد أسبوعين من لقائنا الأول دعاني للعشاء في مقهى الغلاييني.. وقبل أن نغادر المكان قال عليك أن تجيبي عن سؤالي.. هل تتزوجيني.؟ ثم أردف.. عليك أن تعرفي أنني فقير.. لا مال عندي.. ولا هوية.. أعمل في السياسة.. لا أمان لي.. وأنا مصاب بالسكري..

كنت أستمع إلى كل تلك النقاط السوداء، قلت أن علّي أن أفكر بالأمر.! كنا نصعد الدرج المفضي إلى فناء المقهى، قبل أن نصل الدرجة العليا الأخيرة قلت: نعم.. سأتزوجك).

تزوجا في تشرين الثاني 1961 وأنجبا في العام التالي ولدهما الأول فايز، وقد أسماه على اسم أبيه.

- هل كنتم على تواصل دائم معه رغم إنشغالاته السياسية؟

بطبيعة الحال لم تنقطع الاتصالات بكل اشكالها بيننا وبين غسان، نتابع مسيرته النضالية والأدبية والخاصّة في آن،

- هل عاش غسّان قصص حب في طفولته أو فتوّته أو بعد ذلك، لم نعرف عنها؟

لقد كان غسان رحمه الله وسيماً جداً، وكنت أرى وأراقب تهافت كثيرات رغبة بصداقته، وهو بالمحصلة رجل، ومرّ كما تمرّ الناس بمرحلة مراهقة، وعنفوان شباب، ولا شك في أنها أتاحت له فرصاً لتوطيد صداقات مع الجنس الآخر، لكنها، كما أعلم، لم تخرج عن إطار الصداقة، فقد كانت مشاغله أكبر من أن تهيء أمامه فسحات فراغ.

- ماذا تخبرنا عن رسائل غسان إلى غادة السمان والعلاقة التي ربطت بينهما؟

اسمح لي أن لا أخوض في هذا الموضوع، فقد تسبب لنا، ولزوجته على وجه التحديد بمشاكل وآلام ما تزال آثارها فينا حتى اليوم، لكنني أود أن أقول كلمة فقط قد تعبّر عن نظرتنا لتلك التي لم تراعِ حرمة شهيد، ونشرت بعد ربع قرن من استشهاده رسائل في كثير منها مبالغات وإضافات، ولم تنوّه بحرف عن رسائلها الناريّة «الشبقية» لغسان، وأتمنى لو أنها تقرأ هذا الحوار لأقول لها إن رسائلها، أو للتدقيق، كثير من رسائلها في حوزتي وربما يأتي يوم أعلنها، وأكشف عنها..

- هل كان ساخراً في حياته اليومية؟ أسأل عن ذلك وفي بالي مقالاته الساخرة.

نعم، وجداً، كان في كل مجلس يجمعه النجم الأكثر حضوراً، وكان إلى جانب دماثته، ساخراً ومتفائلاً وصاحب نكتة وطرفة، وكان محبوباً من كل من رافقه واستمع إليه وصادقه أو عمل معه.

- كيف تلقيتم نبأ اغتياله؟

تقول السيدة آني: (يوم السبت 8 تمّوز 1972 جلسنا أطول من المعتاد، نحتسي فنجان قهوة على شرفة بيتنا في الحازمية.. تحدث غسان في أمور كثيرة، كعادته، واستمعنا باهتمام أنا وشقيقته فايزة كعادتنا إلى حديث عن ذكريات طفولته في فلسطين، وقبل أن يغادرنا في الساعة الحادية عشر إلى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لعبة ابننا فايز المفضّلة، وكان على لميس ابنة أخته أن ترافقه لزيارة أقارب لنا في وسط بيروت، بعد دقيقتين دّوى صوت انفجار هائل، تحطّم زجاج النوافذ، واهتّز البيت بعنف.. صرخت دون وعي.. غسّان.. ودون وعي نزلت الدرجات بسرعة لأجد سيارتنا الصغيرة أشلاء ممزّقة. رأيت لميس ملقاة على بعد أمتار من السيارة جثة متفحّمة هامدة، ورأيت وسط الركام ساق غسّان اليمنى مبتورة وملقاة بين الأنقاض، صرخت بفزع: غسّان... غسّان..

علمت فيما بعد أنهم وجدوا أشلاءه في الوادي وعلى أغصان الأشجار، نقلوها بعيداً عني.. أيقنت أنني فقدت غسّان إلى الأبد).

أما أنا شخصياً فقد تلقيت الخبر مباشرة من إذاعة لندن، وتقاطرنا جميعاً إلى بيروت حيث كان مسرح الجرمة ما يزال ساخناً، وقد شاركت بجمع قطع وأشلاء غسان «رحمه الله» المنتشرة على أغصان أشجار وادي الحازمية.

 

 

الحوار كان مادة الغلاف للعدد الحادي عشر من رمّان