حول الأدب الفلسطيني

 

 

سليم البيك

 

لا أدري إن كان هنالك ما يمكن تسميته بالأدب الفلسطيني الجديد. أساساً لست أكيداً إن كان هنالك مدلول واضح لما يمكن تسميته بالأدب الفلسطيني. لست هنا أنفي فكرة أن هنالك أدباً فلسطينياً، لكني أطرح سؤالاً حول الموضوع فحسب: ما هو الأدب الفلسطيني، ومنه: ما هو الأدب الفلسطيني الجديد إن كان ثمّة جديد؟ والسؤال الأهم: بأي معنى هو جديد؟ سأترك الإجابة على السؤالين الأخيرين لمقالة أخرى ستلحق هذه، سأتكلّم هنا قليلاً عن مفهوم الأدب الفلسطيني لننطلق منه، لاحقاً، إلى تناول صفة "الجديد"  لهذا الأدب.

لكل بلد في هذا العالم أدباء ينتمون جغرافياً إليه، يكتبون أدباً يصنّف تبعاً لذلك البلد. وقد يصنّف تبعاً للغة إن أريد توسيع –أو ربّما تضييق- المساحة التي يمثّلها هذا الأدب.

أما بخصوص الأدب الفلسطيني، وحتى السينما وجميع أشكال الفنون، فالفلسطيني المنتمي لهذه البقعة جغرافياً، سيكون بأدبه أحد ممثلي هذا البلد، أحد المنتجين لأدبه وفنه، والأمر ببساطة يعود كون فلسطين تعدّت بقضيتها مساحتها الجغرافية ليدلّ مفهوم "الأدب الفلسطيني" على الأدب الخارج من هذه القضية، لا هذا البلد. كما السينما الفلسطينية هي التي تخرج من القضية بغض النظر عن الانتماء الجغرافي و"الوطني" لصانع الفيلم. هي بالنهاية تصنّف ضمن السينما الفلسطينية.

كان هذا البعد الأممي للقضية أدبياً وفنياً أكثر إقناعاً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حيث كانت تمثّل هذا البلد سياسياً "منظمة التحرير"، وكانت منظمة ثورية رغم الميول السلطوية لرئيسها منذ بداياته، والمنظمة بالنهاية تشمل فصائل ثورية فعلية، كما "فتح" الفصيل الثوري نظرياً، وكانت تمثّل شعباً يعيش ثورة تخطّته هو وبلده جغرافياً. وانعكس كل ذلك على الأدب والفنون، فكان الأدب فلسطينياً لانتمائه عقائدياً لهذه القضية، لا انتمائه قدريّاً لهذه الأرض، وكان الفلسطيني المنتمي لهذه الأرض، أحد هؤلاء المنتجين للثقافة الفلسطينية.

(هل كانت "أربع ساعات في شاتيلا" لجان جينيه مثلاً أدباً فرنسياً بقدر ما كانت أدباً فلسطينياً؟)

كان هذا الكلام أكثر إقناعاً أيام الثورة. الآن، ما عاد يقنع الكثير، إلاّ أن قلّة (وأنا من بينهم) لا تزال تعتقد به. فالقضية، عندهم، لم تخسر أبعادها الأممية.

لكن.

طبيعة الثورة اختلفت الآن، الأحزاب الثورية الفعلية ما عادت كذلك، رغم أنهم لا يفوّتون فرصة دونما ترديدهم بأننا في مرحلة تحرّر وطني وليس بناء دولة، وهم في النهاية يتبعون حركة "فتح" في سعيها الممل والمخزي للحصول على اعتراف بدولة فلسطينية لا تعدو كونها مسخ، وقبل ذلك افتعالها "اتفاقات أوسلو" المشؤومة، وقبل ذلك الانهيارات الوطنية المتتابعة لرئيس الحركة و"القائد التاريخي" ياسر عرفات. كل ذلك ساهم في زوال فكرة فلسطين الوطن-القضية عند كثيرين، لتنحصر فلسطين سياسياً في بقعة جغرافية ما فتئت تتآكل، وانعكس ذلك بطبيعة الحال على الأدب الخارج من هذه القضية والمعبّر عنها (أو أنها لم تعد قضيّة، والآن لم يعد هنالك من يود الانتماء إلى ذكرى قضية). بعدما تحوّل الوطن إلى قضية تحرّر وطني مع الثورة المعاصرة، عادت القضية لتصير وطناً، أو أقل من ذلك؛ بقايا وطن، أو أقل من ذلك؛ سلطة على هذه البقايا، أو أقل من ذلك؛ سلطة لا تملك من اسمها غير اللفظ.

بعد ذلك كله، سيتحوّل مفهوم "الأدب الفلسطيني" لينحصر فيما يصدر عن هذه البقعة الجغرافية، لا أتكلّم عن بقايا البلد، بل البلد كاملاً، فقد فلت هنا المفهوم الثقافي لمفردة "فلسطين" عن المفهوم السياسي، وهذا حسن، إلا أني أخاف أن يأتي يوماً ينحصر فيه "الأدب الفلسطيني" فيما يخرج من الضفة وغزة، وأن يعتبر الأدب الفلسطيني الخارج من الأراضي المحتلة عام 48 أدباً إسرائيلياً، رغم أنه فلسطيني بكل ما فيه قبل أن يكون بلغته. أما عن الأدب الفلسطيني خارج البلد، في المخيمات والشتات، فكثير من الأدب الذي يكتبه اللاجئ الفلسطيني قد لا يؤخذ على أنه أدب فلسطيني مكتمل انتماءه، وقد لا يعتبر فلسطينياً بالأساس، وهذا الاعتبار قد يأتي به الأديب نفسه لرغبة منه في الانفصال عن هويته الوطنية المتوارثة، وهذا غير مأسوف عليه، أو يأتي من كل العالم ما عداه في رغبة منهم لفصله عن هويته الوطنية المتوارثة.

بعدما كان الأدب الفلسطيني هو الأدب الذي يمثل القضية الفلسطينية بغض النظر عن الانتماء الجغرافي للأديب، أي بعد أن كانت "الفلسطينية" انتماء بالإرادة لأي إنسان كالانتماء للتحرّر والحرية بمفهومهما الأممي، اليوم بات الأدب ذاته عند كثيرين منحصراً فيما يخرج عن بقعة جغرافية لا تمثّل حتى 22% من مساحة فلسطين، وفقاً لاعتبارات سياسية سعت إليها السلطة الفلسطينية و"فتح"، اعتبارات لا يخجل مثقّفو سلطة رام الله من إسقاطها ثقافياً، ليعطوا مفهوم "الأدب الفلسطيني" معان جديدة سيكذّبها أدب جديد آخر يكتبه شباب خارج الوطن وداخله، يعطون مضموناً مختلفاً تماماً لصفة "الجديد" من هذا الأدب، أو لمفهوم "الأدب الفلسطيني الجديد".

للمقالة تكملة سأحكي فيها عن هذا الأدب الفلسطيني الجديد. فبعد أن حاولتُ مقاربة فكرة "الأدب الفلسطيني" بمفهوميه القديم الأممي بعمقه والجديد "السلطوي" بزيفه، سأتكلّم عن الأدب الفلسطيني الجديد (جدّة جديدة)، الفلسطيني انتماءً لفلسطين مكتملة، والجديد بمضمونه عمّا كانه هذا الأدب.

 

في مجلة الغاوون