|
سليم البيك
في زيارة إلى مدارس
"خاصة" باللاجئين و الأقليات في بروكسل, دخلت و
رفيقة بلجيكية إلى صف لطلاب في المرحلة الابتدائية
أسألهم عمن يعرف شيئاً عن فلسطين. أدهشتني كثرة
الأنامل المرفوعة بحماسة ليقدموا لي أجوبة مفرحة
في معظمها, و لكنني الآن أذكر أنه لم تلفت نظري
إجابة كتلك التي قالت بأن الفلسطينيين يقاتلون
"لاسترجاع المساجد من اليهود!" كان رد فعلي بأن
نظرت إلى الرفيقة و إلى المعلمة و ابتسمت ثم قلت:
الفلسطينيون يقاتلون لاسترجاع بلدهم بما فيه من
منازل و مدارس و حدائق و ملاهي و أيضاً مساجد و
كنائس.
فلسطين ليست مساجد, هي
أكثر من ذلك بكثير, هي وطن بكل تفاصيلها, و بكل
تفاصيله. و نضالنا ليس لاسترجاع مساجدنا, بل
سماءنا و ماءنا و أرضنا, و على هذه الأرض الكثير,
مساجد و غيرها. نجح الإسلاميون نسبياً في نقل هذه
الصورة المشوهة و التسطيحية للنضال الفلسطيني و
لكلمات كـ"وطن" و "حرية", بالمفهوم الفلسطيني, إلى
العالم, فكأن أصل الصراع هو ديني, بين المسلم و
اليهودي, و ليس احتلال و تهجير و اضطهاد و عنصرية
و امبريالية... و المسؤولية هنا تقع على عاتق
التنويريين و العلمانيين الوطنيين لإيصال الصورة
الواقعية و العلمية للصراع إلى العالم, أذكّر هنا
أن المطلعين على القضية الفلسطينية من ناشطين سياسيين و مثقفين في العالم يعون طبيعة الصراع أكثر
من "الأطفال"!
نحن نقاتل لا للتفرغ
للعبادة, و لا حباً بالموت أو الشهادة أو جنة
السماء و لا للسلاح أو المقاومة, بل نقاتل و نقاوم
حباً في الحياة, و الحياة فقط على هذه الأرض, فـ
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة", نقاتل لننتشي
بلذة الحياة في فلسطين, نحب ابنة البلد, نأكل كبة
نية, نستيقظ مع الشمس, نعمل لبناء مجتمع, ننتخب من
نريد, و يصلي بعضنا في المساجد و الكنائس.
علينا القتال بكل ما توفر لممارسة ذلك في وطننا,
في جنتنا على الأرض, فكما سطّر غسان كنفاني: " لن
أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي, أو أنتزع من السماء
جنتها, أو أموت, أو نموت معاً".
ذكر ادوارد سعيد غير
مرة قصة ذاك الأسير الفلسطيني الذي واظب سجانيه
على إسماعه و بصوت عال و مزعج مقطوعات موسيقية
كلاسيكية أثناء التحقيق معه و التعذيب, فخرج
الأسير من سجنه كارهاً و غير محتملاً موسيقى
بتهوفن, كما اشتكى. هذا ما يحاول الصهاينةً عمله,
قطع العلاقة الجنينية و الحتمية بين الإنسان
الفلسطيني و الحياة من أجل الوطن الفلسطيني و
جماله, و هو ما يحاول التسلل إليه داخل أقبية
التحقيق و خارجها:
ألا نطيق الحياة فندفع أنفسنا للهرب منها لنجد
الموت منفذاً لنا. هم عابثون بمحاولاتهم تلك و إن
نجحوا, من ناحية, مع ذاك الأسير الذي حمل ما لا
يحمله جمل.
بالمعنى الكلي,
الفلسطيني عاشق للحياة و هذا منبع ثورته و
انتفاضته و إصراره على النضال حتى للحظة. يذكر هنا
الوحدة الاندماجية الرائعة في الشعب الفلسطيني بين
الجزء, أو الفرد, و الكل. فذاك الفدائي الذي يحمل
"روحه فوق راحته" وهو العسكري و الصحفي و الفنان و
الأديب و كل إنسان يعي فلسطينيته بطريقته, ذاك
الفدائي, الفرد, يقدم دماً و روحاً على مذبح
الحياة, حياة الشعب ككل.
أذكر رسماً
كاريكاتورياً لناجي العلي, يظهر الرسم مجموعة من
أهالي أحد المخيمات الفقراء يحملون لافتة من قماش,
ممزقة و مبرقعة طبعاً و تستخدم كغطاء أثناء النوم,
كتب عليها "تعيش الطبقة العاملة", فيرد حنظلة:
"يلعن أبو هيك عيشة".
لن نقبل "عيشة" كهذه,
احتلال و اضطهاد و استغلال و فقر, فمن الطبيعي أن
نفكر و نعمل و نناضل لما هو أفضل, و بالطبع لن
نفكر بالنضال من أجل الموت, فيا عالم انتظر, لا
أقول الثورة, بل الاستمرار الدائم للثورة و
انتفاضاتها.
نطق محمود درويش باسمنا
حين تألم: "نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا" و
لا سبيل لنا إلا إليها.
|