"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

أتوا.. و لكن

 

سليم البيك

 

    " هم قادمون.. قادمون.." ظل مصطفى يردد في نفسه, في لحظات يصعب فيها كل شيء إلا التركيز على الجنود أمامه. قد تغتاله طلقة لا يدري من أي فوهة أتت, فهو و بيته و من فيه محاصرون من الجنود, و من غير الجنود.

    أفرغت بندقيته الخفيفة ما في نفسها و قالت: " هذا كل ما لدي يا رفيقي.. مدني بالطلقات و لا تنتظرهم", فيرد: " هذا كل ما لدي أنا الآخر.. سامحيني.. قد يأتوا الآن و معهم ما يكفي لك و لغيرك.. و يفكوا الحصار.. فقط انتظري".

    يواصل الجنود إمطار و قنص و قصف البيت برصاصهم, و أهل البيت متشبثين ببعضهم في غرفة واحدة, فإما أن ينجوا معاً, أو يموتوا معاً.

    وديع الصغير قتل حين حاول الزحف متجاهلاً صرخات والدته و أخواته, زحف إلى الغرفة المجاورة لجلب عصفوره المرتعش هو الآخر, فقتل برصاصة كثيراً ما قيل بأنها طائشة, و طار العصفور حراً بعد وقوع قفصه.

    يحاول مصطفى إقناع بندقيته بأنهم قادمون, فترد عليه بحزم: " لن يأتوا.. تعلّم من تجربتك و قاتل.. أعطني حجارة.. قد أستطيع إطلاقها.. لن يأتوا يا مصطفى.. ارم الجنود بي و بما تقع يديك عليه و لا تنتظر يا مصطفى..". يحاول التحرك من مكانه و الوصول إلى ما يمكن رميه, فلن يرم بندقيته التي ستعبأ بطلقاتهم, حين يأتون!

    أصابته إحدى طلقات الجنود في فخذه أثناء محاولته الوصول إلى حجر كان في حديقة البيت, فتدحرج راجعاً إلى مكانه صارخاً ببندقيته: " هذا ما جنيته من نصيحتك", فقالت: " لم يكن أمامك سوى المقاومة و بأي شيء.. ليتني أستطيع مساعدتك.. كم أخجل لعجزي في حضرة جرحك يا رفيق..", فقال محاولاً جبر خاطرها: " ليس الذنب ذنبك و لا ذنبي.. تعلمين أن أبو عامر التاجر لم يرض أن يبيعني مجموعات أكثر من الطلقات.. فغيري يدفع أكثر كما قال.. و أنا.. أنت أعلم بوضعي.. و إن كان من يدفع أكثر يقاتل بها أيضاً.. و لكن.. فليتركوا لغيرهم  حق القتال.. أو الدفاع عن أنفسهم على الأقل.. و لا يحتكروا الطلقات لأنفسهم لسبب أنهم القادرون على الدفع..!" يصرخ: " أمي.. هل أنتم بخير.. أنا بخير..", فترد: " نحـ... ـن بخـ... ـير..".

    عاد للحديث مع بندقيته التي كما يبدو جريحة أو مصابة بضيق في التنفس. "لماذا لا تتحدثي.. تكاد صوت طلقاتهم تأخذ سمعي معها.. لطلقاتك أنت موسيقى كثيراً ما أشتهي سماعها يا رفيقتي.. ماذا بك..". فترد عليه بتقطع: " يبدو أنك.. ستواصل.. بدوني.. لا حاجة.. لك.. بي..".

    بدأت طلقات الجنود تخف من وطأتها تدريجياً إلى أن انقطعت تماماً حين وصلوا, صرخ مصطفى متفائلاً: " نعم.. هاهم.. اصحي.. لقد أتوا.. و معهم بنادق و طلقاتها.. لا بل سيقاتلون معنا", تجاهلته و تابعت استرخاءها.

    نعم, تقدموا و لكن (مدججين) برايات و لافتات كتب عليها ( فلسطين حرة عربية ) و (فلسطين وقف إسلامي) و غيرها من الشعارات. هتفوا و هتفوا إلى أن بحت حناجرهم, ظلوا واقفين في حر الشمس إلى أن تعبوا و جاعوا, و منهم من مل, و مصطفى الجريح يقول في نفسه: " أشقائي هم هؤلاء.. و ليست هذه سوى البداية.. سيتقدمون أكثر.. و لن أقف لوحدي بعد الآن".

    ظلوا واقفين إلى أن جاع أحدهم فعاد لتناول عشائه, بح صوت آخر فعاد لشرب الزهورات, و ملت أخرى فذهبت تنتظر خبر مصطفى العاجل, و آخر ذهب مسرعاً ليلحق صلاة المغرب قبل أذان العشاء, و الآخرون عادوا لأن عليهم (النهوض) غداً باكراً ليذهب كل إلى عمله.

    أما مصطفى الجريح فأمسى شهيداً, متأثراً بجراحه, و أما العائلة فلم تدر وسائل الإعلام بأمرها, و لا تنسوا وديع الصغير.

    و طلقات الجنود استأنفت عملها هي الأخرى, بعد استراحة الغداء في حضور من أتى, و ما تزال تعمل, حتى الآن.