|
سليم البيك
ما كان أبداً اغتيال الأشخاص اغتيالاً لمبادئهم
و أفكارهم, ما كان تمزيقاً أبدياً لأوراقهم,
فلماذا إذاً يقتل المفكرين و الكتاب بهذه الطريقة
الجبانة؟ ألوضع حد لحياتهم كأفراد أم لأفكارهم
كآفاق أم ماذا؟! قد تكون الإجابة واضحة و مختصرة
إن قلت بأننا الفلسطينيين و العرب و العالم قد
خسرنا الكثير باغتيال غسان كنفاني, الأديب و
الناقد و الصحفي و الفنان و الناطق الرسمي باسم
الجبهة الشعبية التي قادها الحكيم جورج حبش.
كلما قرأنا غسان و أدبه أدركنا أكثر الخسارة
الثقافية التي مني بها الفكر التجديدي العربي و
الإنساني في أكثر من مجال, لست ناقداَ و لكن في
أكثر من مناسبة كُتب عن الدور الريادي لغسان في
تجديد الأجناس الأدبية العربية في مجال الرواية
(ما تبقى لكم) و المسرح (القبعة و النبي) هذا عدا
عن ثلاث روايات كان قد اغتيل قبل إكمالها, قدر لها
أن تكون أعمالاً جديدة تأريخية لفلسطين
وطناً و شعباً لو اكتملت, كما أكد الشاعر أحمد دحبور في
حوار لي معه و كما كتب الناقد يوسف سامي اليوسف في
(رعشة المأساة).
أما إذا قرأنا غسان المفكر و السياسي الذي كتب
برنامج حزبه لأدركنا أكثر العقل التجديدي الذي
يسكنه. خسر الفكر الماركسي العربي أحد ركائزه
المستقبلية بخسارة غسان الذي أظهرت كتاباته
الأدبية الأخيرة نزوع نحو الفكر و الفلسفة. كما
شارك غسان من خلال كتاباته السياسية و الأدبية في
خلق ثقافة وطنية ديمقراطية ثورية في وقت عجز فيه
الكثير عن الجمع بين الثورية و الديمقراطية
فاختاروا الأولى, كما يعجز الكثير الآن عن الجمع
بين الديمقراطية و الوطنية فاختاروا الأولى..
من خلال ما نجا من كتاباته الصحفية نجد أن غسان
الصحفي لم يكن بعيداً عن الأديب أو السياسي, فلم
تخل صفحاته الصحفية من أدب و سياسة و فكر و نقد, و
قد جمعت دار الآداب عدة مقالات في كتاب "فارس
فارس". هنا
أدعو الجهات المعنية لإطلاق سراح الصفحات التي
كتبها في مجلة الهدف من افتتاحيات و مقالات
تحليلية, فهي تشكل جزأً مؤثراً من التراث الصحفي
الفلسطيني و العربي و التي, على قدمها, قد تجدد في
العمل و الثقافة الصحفيين خاصة في المجلة المذكورة
التي أسسها سنة 1969 التي أطالت المراوحة في
وقت تشهد فيه الصحافة آفاقاً واسعة للتقدم و
التجديد.
لم يؤسر غسان خلف أسطره و لم تحاصر أفكاره بين
صفحاته, فلم يكن ممن يعتقدون بوصولهم للحقيقة فلا
يجدون مجال للتجديد فتكلس و جمود. و لم يكن من
المغالين في التجديد, كمن (يجدد) أفكاره مع كل
نسمة (حسب الطقس)! كان من مبادئه ينطلق للتجديد,
ليجدد ضمن النطاق, فلم يتجاوز إلى حد النقيض,
لتكون أعماله اللاحقة, في كافة المجالات, مطورة
لأعماله الأولى, لا محرفة لها.
باغتيال غسان, و غيره من العقول
التثويرية التنويرية,
وضعت (إسرائيل) حداً لهذا الإنسان الذي تكاثرت
أعماله بتواتر سريع أفقياً و عمودياً, فلم تعد
هناك أعمالاً (جديدة) لغسان, و منذ 8/7/1972 لم
يعد هناك من يسأل عما سيكتب هذا الثائر. وضعت حداً
لعملية التجديد التي كانت تجري في عقله, فكم
يخيفهم هذا التجديد النقيض للجمود و التحريف. وضعت
حداً لمناضل, ليساري عنيد, كان يحرض و يصرخ في
الأفق.."لك شيء في هذا العالم.. فقم". و لكنها ما
استطاعت أبداً أن تحد من الآفاق التي خطتها
كتاباته الأدبية و الصحفية و السياسية, و لن
تستطيع حتى أن تخفت من النور الذي يشع من بين
أسطرها. كلما أذكر أنه اغتيل في بداية عطائه الفكري
و الأدبي يلبسني القهر و الأسى على فلسطين, و كأن
مصائبها لا تكفي.. فتخسر غسانها.
|