"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

في حكم العسكرستان

 

سليم البيك

 
 

     مر على أجسادنا و عقولنا نوعان من الحكم فرضا على الإنسان العربي أشكالاً من العلاقات الاجتماعية نابعة من عقليات منغلقة على نفسها. تتوافق هذه الأشكال مع بعضها بالرغم من أن أحد فارضيها علماني و الآخر ديني. بالرغم من الاختلاف الظاهر بين كلا الحكمين إلا أن نقاط الالتقاء فاقت أي اختلاف. اجتمع كلاهما على قمع المنادي بحقوق الإنسان و الديمقراطية و الحرية الثقافية و الصحافية و الحزبية, و اتفقا على التعذيب و التنكيل بجرعات زائدة إن كان المنادي يسارياً, كما اتفقا على تعذيب أتباع الآخر منهما, فالسياسة واحدة و إن اختلف الشكل.

     تحكمت مجموعة من الانقلابيين العسكر بالعديد من الشعوب العربية و فرضت أنظمة تقوم على العلاقات العسكرية بين الناس. فهم عملوا على نقل هذه العلاقات اللاإنسانية, حتى بين العساكر أنفسهم, إلى الحياة المدنية البعيدة عن علاقات الرتب, الأمر و الطاعة, نفذ ثم اعترض, إن تجرأ أحد على الاعتراض أصلاً. في ظل هذه الأنظمة كان, و لا يزال, ضابط سخيف أو رجل أمن أمي يتسلط و يهين الأقل منه رتبة, و المثقفين و الصحفيين و الأطباء و العمال و الفلاحين و الطلاب جميعهم أقل رتبة منه طبعاً!

     كما تحكمت فئات متأسلمة ترى أن الدين إن كان فليكن سلفياً أفيونياً أو لا يكون.. و بالتالي الكفر و الزندقة.. فهدر الدم و الإرهاب. حكمت هذه الفئات في أكثر من بلد عربي و لم تختلف في تسلطها عن رديفتها العسكرية, و لكن معظمها مارس الحكم الظالم و الظلامي من مواقع غير رسمية. فلم يكن لها حظاً وافراً في الحكم كما العسكر, و مع ذلك, فقد أثبت التيار المتأسلم و بامتياز إمكانيات (خلاقة) في القمع و الإقصاء عبر الجماعات الأصولية التي ارتكبت سطوة السلطة من مواقع أخرى.

     القمع و الإقصاء أشد ما يجمع العقلية الأمنية العسكرية و التكفيرية المتأسلمة, و هي أبعد ما يكون عن المدنية و الديمقراطية. فقد حاول كل من العسكر و المتأسلمين فرض أسلوب حياة معين و قمع كل ما يخالف, أو حتى كل ما يختلف, و مارسا, فكرياً و عملياً, الكتم المتواصل لكل صوت يدعو لحق الاختلاف و للتعددية التي بها نجد الحياة بجمالها و ألوانها و ثرائها.