|
سليم البيك
كغيره من أيام حزيران
الحارة القاسية, تنتظر الشمس ساعات الظهيرة لتنزل
ثقلها على الناس, محكومة بأمر الوقت الذي يفرض
عليها كيف تكون متى يريد. الحصة الأخيرة في
المدرسة هي الأثقل على قلوب الطلاب, بسبب الإحساس
أكثر بسيطرة مزاجية الوقت السيد. و يسود الوقت
أكثر في الدقائق الأخيرة من تلك الحصة الطويلة
جداً.
يدق الجرس, يكون ذلك
على مسامع الطلاب كصوت مباغت بنصف ثانية قطع من
ذروته. يحاولون و بفرح المضي في قوانينهم بعد أن
تحرروا من ذلك القانون المذل الذي وضعهم تحت رحمة
الأستاذ القاسي اللئيم.
أحمد, في الصف السادس,
ينفض, قبل صعوده إلى الباص, ملابسه التي اتسخت بعد
عراك, أو بعد أن ضرب من ابن أحد الأساتذة و شلتِه,
و يتساءل مرتبكاً هل أنه سيعاقب غداً بسبب
العراك؟! هل سيحرم من الحصص؟ سيَسلب منه هذا التخوف
يومه, فل يهنأ في ساعات الراحة أو اللعب بعد
العودة إلى البيت.
في الباص لا يجد مقعداً
للجلوس كونه وصل متأخراً فيظل واقفاً. يجلس أمامه
زميلان له في الصف, صديقان سابقان, فهم لم يتفقوا,
والداهما أيضاً زميلان في شركة هندسية. كل منهما
يتباهى بأن أباه بنى إحدى تلك المباني. لو أنهما
يصدقان لكانت معظم مباني الطريق من صنع كلا
أبويهما. يسمعهما أحمد و يحس بشيء ما في ما سمع,
بشيء بعيد عن العدالة التي كثيراً ما سمع و درس
عنها, بشيء لم يكن يدركه فيه غبن و ظلم.
يعتقد بأنهما كاذبان,
بل يؤكد لنفسه ذلك, يعلم بأن والديهما مهندسين و
أنهما أشرفا على البناء و لكنه يصر في قرارة نفسه
على أنهما ليسا البانين الحقيقيين, بدون أن يعي
لماذا هذا الإصرار.
أبو أحمد, رجل بسيط و
أب يحرص قدر المستطاع على أن يوفر لأبنائه ما
يتمنون. هو عامل بناء يرجع إلى البيت مساءً بعد
نهار حافل بالطرق و العراك مع أشعة الشمس من جهة و
تعبه و جوعه من جهة أخرى. كثيراً ما شعر أحمد بأن
هنالك ما هو غريب و مربك في أن يكدح أباه طوال
اليوم, ليصبح المبنى فجأة من صنع آخرين لا يتعبون
بشهر ما يتعب أباه بيومين أو ثلاثة, و ليصبح من
ملك آخرين قد يظنوك تهذي إن سألتهم عن معنى
التعب و الكدح.
يرغب أحمد في الصراخ
بوجه زميلاه بأنه ابن من بناها, بأنه تمر أياماً و
لا يرى أباه الذي اضطر أن يعمل أكثر حتى لا يكتفوا
برائحة الخبز. لا يصرخ, يحاول إقناع نفسه بان ذلك
لن يفيد, لن يغير شيئاً, هي الدنيا كلها كذلك, بل
أنه قد يعاقَب إن اشتكيا عليه في المدرسة.
يصل الباص و ينزل منه
أحمد, و الصمت لا يزال يحتله منذ صعد, و قبل دخوله
البيت, تصرخ دمعته و يقرر عندها, بدون أن يدرك أو
يعلم كيف و متى و أين, أن شيئاً ما يجب أن يتغير,
أن العدالة سنبنيها نحن بقطرات عرقنا الذي بات له
لون و رائحة الدم و الخبز. يصر على تغيير العالم بتركيبته
التي بدأ يدرك كم هي ظالمة و أننا نحن من سيقوم
بذلك يوماً ما.
بهذه الكلمات البسيطة,
لسنه, يحمل أحمد في قلبه و عقله ذلك الإصرار
المجبول بالأمل الذي ينير له الطريق إلى الاعتقاد بحتمية ذلك
اليوم, و أنها مسألة وقت لا أكثر.
بالمناسبة, لم يكن أحمد
يسارياً بعد, بحكم سنه.
|