|
سليم
البيك
ذكرتُ في مقال سابق
– تداخلات يوم واحد- ما خالجني حين عثرت على رواية
الكاتبة و التشكيلية الفلسطينية رجاء بكرية. لم
أكن مغالياً في غبطتي بـ "امرأة الرسالة" التي
وقفتْ تراقب خطواتي مقترباً تارة و مبتعداً تارة.
تراقب نظراتي الباحثة بين أسماء الدور عن "الآداب"
حيث تسكن تلك المرأة. و حين أدركتُ الدار وجدت
امرأتي مقتعدة الرفوف بتواضع ملكة تتوسط جواريها.
زادت غبطتي حين رأيت عكا و حيفا و يافا منثورات
على مدى أرقام الصفحات, مدناً تحتضن بين أفئدة
الرواية عشقاً حال حنينه و جماليته و جنونه و
مكانه دون أن يكتمل.
قصة عشق بين نشوة و
المكان و غسان. كالكثير من قصص العشق الوخيمة بين
فلسطينية و فلسطيني. ما كانت نشوة لتهرب فتعود
فتهرب من غسان و المكان لولا الاحتلال و ما جلبه
معه من مومسات شرق- أوروبيات. احتلال هجّر نشوة
لتنضم إلى ملايين اللاجئين, بعد أن اعتقل, و
لأسباب أمنية, غسان الباقي في الداخل. و أحل
الاحتلالُ لنفسه و مومساته المكان, فلا عاشق و لا
عاشقة و لا مكان يخفق علم العشق فيه, إلا من نجا.
أرسلت فور عودتي إلى
البيت رسالة الكترونية إلى رجاء أخبرها بأن
روايتها باتت في عهدتي و أنني باشرت رحلتي في
أغوارها. فردت تسألني عن المكان في الرواية, لم
تسأل: كيف هي نشوة عندك؟.. أرجو أن تعتني بها, و
لم تسأل عن حالة العشق الفوضوية التي تتخبط بها, و
لا عن غسان الضائع أو كاظم المخلص.. بل سألت: كيف
أحوال المكان الذي تسير معه؟
كانت تعلم مسبقاً
بأن المكان, عكا و حيفا و يافا, و ليس لندن, سيرسم
أمامي رائحة جسد نشوة في عاصمة العشق الأزلية,
عكا, و بأنها, المدن الثلاث, أكثر ما يثير شهوة
لاجئ لعشق سيكون ممكنا اكتماله كبدر, فور رحيل
الاحتلال و مومساته.
كم كانت رجاء جميلة
و هي تلفح ألوانها على الصفحات البيضاء كلمات.
تحاصر القارئ بهالة نثرية إلى أن يسكر بمجازها,
فتسحبه خلسة عبر أحداث رواية يباغَت بها دون أن
يصحو. تسيطر عليه, تحكم سيطرتها, توثق احكامها, و
تمشي به عبر الصفحات واثقة من جمال امرأتها و
أنوثة رسائلها و أمكنتها.
سأخجل من الإجابة
على سؤالك عن المكان الذي أسير معه, فمسير كهذا
يصل إلى محطته الأخيرة عند الصفحة 366, و ذلك لا
يكفيني للكلام عن أحواله.
عزيزتي رجاء, سأخبرك
الكثير عن أحوال المكان حين أسير فيه. إلى حينه,
أخبريني أنت عن أحوال المكان.
|