|
سليم البيك
تركتُ
البيت فجأة. رميتُ ما كان بين يدي. نزلتُ إلى
السيارة، أدرتُ المحرك و مضيت.
وصلت إلى
منطقة الكاسر في أبو ظبي، حيث لا أمواج للبحر
هناك. مياه مالحة راكدة مشتدٌ أزرقها، تتحرش
بصخورٍ تتمنع أحياناً، و أحياناً يتكسر الحياء
فيها فتمارس حباً مع مياه متسللة من بين انكسارات
بحرها: تلك الصخور تكسر الأمواج فيخنع البحر
للمدينة و يصلها مستسلماً مستكيناً، مكتفياً بمياه
تتحرش بصخورها، فسُمّيت المنطقة بالكاسر.
ألقيت
بنفسي خارج السيارة و مشيت مبتعداً عن الرصيف بغير
وجهة. سحرٌ ما سحبني من خلال الأشجار و خليط الرمل
و العشب، إلى حيث الصخور، و كأنني على موعد مع
مداعبة المياه لإحداها ، فأشهد حباً جديداً، و
كأنني أردت أن يكتمل ذلك المساء قُبيل احمرار
الشمس خجلاً فتتلاشى، و يشتعل الليل بنوره الأسود.
صرت أمشي
محاذياً صخرة و مياهها، أنظر إليهما تارة، و تارة
إلى رجل تقدّم العمر به، اقتعدَ احدى الصخور
الرطبة و جعلَ ينتظر أن تعلق سمكة في صنارته، و
إلى حينه يمضي الوقت بالنزق و اليأس و لعن الطقس.
رآني أراقبه و لما ما خجلت، و لا درت برأسي عنه
حينها، ظل ينظر إليّ مستغضباً اتخاذي لفشله تسلية
في هذا المساء.
لم أعرف
لماذا تركت البيت، و لماذا كانت تلك وجهتي، و لم
أعرف لماذا أراقب الرجل بنفاذ صبر و لماذا لم أزح
ناظريّ عنه.
قبل عودتي
سألت حفنة المياه على حافة البحر، مستلقية على حضن
الصخرة: هل ستحبني يوماً؟ أم أن شعوري هذا يكفي
اثنين، فلا هي ترى حاجة لحبها لي و لا أنا ربما؟
أحتاجها
لتشهد معي هذا الحب، لأحكي لها عن المياه و
الصخرة، و عن وجودها معي هنا، تُسمِعني ضحكاتها
عليهما، و تعليقاتها. فهل أكتفي بصوتها الآن؟
اتصلت بها
لحظتئذن، و ما حظيت حتى بصوتها. سمعت أنين هاتفها،
ظلّ يئن متلمساً تبرير غيابها، إلى أن انقطع .
عدت بعد أن
استأثرا بطقوسهما، و ما سمعت جواباً. و عرفت حينها
لماذا أتيت. و لماذا عشقت ذلك المساء الذي يشبهها،
رأيت حبي لها و شعرت به يتململ في حضور مسامات
روحي كلها، يتأهب للاستيقاظ، في مساء ضمّ لحظة عشق
و آثر الرحيل.
|