|
سليم البيك
مازحتُ مرة
صديقة من ترشيحا- بلدتي في الجليل الفلسطيني-
مؤكداً بأن الكبة النية التي يعدّونها هناك في
البلد، إن لم تكن تماماً، بمذاقها وشكلها ولونها
ورائحتها، كالتي تعدها عمتي التي تعلمتْ ذلك في
مخيمات اللجوء، إن لم تكن لها طريقة التحضير
والجبل والأكل ذاتها، وإن لم تكن بذات اللذة،
فلتعذرني، فالكبة هذه ليست بالترشحاوية.
ولكنني
اكتشفت بعد ذلك، ومن خلال حوارات أخرى، بأن اللهجة
التي أتكلم بها ليست ذاتها التي يتكلمون بها في
ترشيحا والجليل، وأن تأثيرات حلّت من لهجات أهالي
المدن التي رُمي المخيم على أطرافها، أتت وامتزجت
مع لهجات أهالي المخيم التي حملوها بأمانة على
ظهورهم في رحلة اللجوء، فما باتت كتلك التي يتكلم
بها أهالي ترشيحا والجليل، الحارسين لها والباقين
فيها. اكتشفت ذلك بعد عدة حوارات، ومن وقتها وأنا
أسأل عن الطريقة التي ينطقون بها بعض الكلمات مع
التشكيل، وحتى عن بعض المفردات التي يستخدمون،
والتي ما عاد جيلي، الثالث بعد النكبة، يستخدم
بعضها في المخيمات والشتات.
الآن، أخاف
أن تكون الكبة التي نعدّها خارج البلد غير تلك
التي يعدونها داخلها، وأنا الذي إذا نزلت الكبة
على السفرة، آكلها بكل حواسي، أشمشمها، أتحسسها،
أشبّع ناظريّ بها قبل قضمها، وحتى أني أتنصّت إلى
تمزق اللقمة حين أنتزعها عن صحن الكبة.
أتحسب
كثيراً ليوم توضع أمامي الكبتين، كبة
ترشيحا/البلد، وكبة ترشيحا/المخيم، فأنحاز إلى
الكبة التي كبرتُ وكبر وعيي على أنها الترشحاوية،
أو أنني أبدأ من جديد بعلاقة أخرى مع الكبة الأخرى
على أنها الترشحاوية، أو أن أكون منصفاً فلا أقرب
الكبتين بعد ذلك، وقد أظفر بكلتيهما.
على كل
حال، توصلت إلى هدنة مع نفسي على أن تبقى كبة
ترشيحا في المخيمات والشتات سيدة الأكلات مؤقتاً.
وإلى أن أعود فآكل من كبة ترشحاوية، معدّة من ماء
وبرغل ولحمة وفليفلة من البلد، لا من مكان آخر،
إلى حينه سأواصل اسئلتي عن تفاصيل اللهجة هناك،
بمفرداتها وتشكيلاتها، علّي أسترجع ما حمله جدي
معه إلى المخيم، وسلبه الشتات مني.
|