|
سليم البيك
اقتادوها
إلى الحجز لعدة ساعات حين استوقف وضايق جنودُ
الاحتلال مجموعةً من المتضامنين الأجانب عند حاجز
عسكري في الخليل وكانت معهم. أجابت رنا على سؤالهم
بنبرة دفاعية بأنهم، المتضامنين، قدموا من
كل العالم. سحبوا أسلحتهم عليها لشعورهم بخطر ما
وسألوها من أين تكون. استاؤوا من جرأتها وبغباء
قالوا: "من يعلم؟! قد تكونين أنت ناشطة في تنظيم
فلسطيني". اقتادوها إلى الحجز، وأفرجوا عنها بعد
ساعات حين توضح لهم بأنها لا تحمل عضوية أي تنظيم
مسلّح.
من حسن
حظها، رنا، هذه الفنانة الفلسطينية "المشاغبة"
أينما حلّت، أن جنود الاحتلال لم يتعرفوا عليها
حينها، وأن لا فكرة لديهم عن أعمالها. وإن صدف أن
عرف أحدهم بتلك الأعمال، فضيق أفق تفكيرهم، وقصر
مدى إدراكهم يحول دون وعيهم لخطرها على "الأمن
القومي" لدولتهم.
هي رنا
بشارة، فلسطينية من قرية ترشيحا الجليلية، اختارت
الفن التشكيلي كي تعبّر عن فلسطينيتها. تُدخِل في
أعمالها الإنشائية الزعتر الفلسطيني، والطحين
والشوكولاتة والخبز والقطن والصبار والملح والزجاج
الفلسطينية، وكل ما يخرج من جغرافيا وتراث فلسطين
يتحول عند رنا إلى لوحة إنشائية، تروي النكبة
وتحفظها بلوحات فولكلورية الشكل والمضمون، حداثية
الأسلوب. لرنا خلطتها الخاصة في لوحاتها، تميزت
بها، كما تميزت بفلسطينيتها.
لا أذكر
أني حادثتها مرة إلا وتخبرني عن "طوشة" بينها وبين
أحد الجنود على حاجز، خاصة بعد انتقالها للعمل
فترة في جاليري للفولكلور في القدس. أذكر أني
سألتها وقتها: الغربية أم الشرقية؟ فكان ردها
سريعا، بعد أن لامتني وذكّرتني طبعا بأن القدس
واحدة، بأنها لا تستطيع تحمل رؤيتهم ليل نهار،
فبررتُ بأني سألتُ فقط لأطمئن بأن "طوشاتك" معهم
لن تكون روتينا يوميا. وفهمت من ردها بأنها
الشرقية إذن.
أقامت رنا
مؤخرا معرضا في فرنسا، حيث أطعمت الزوار من زيت
وزعتر وخبز البلد– وعدتني بالمناسبة ببعض منه حين
أعود لترشيحا- وكانت فرنسا ساحة أخرى لـ "طوشة" مع
اللوبي الصهيوني هناك، فقد حاولوا جاهدين إغلاق
المعرض، وكانوا بذلك أكثر وعيا للبُعدين الجمالي
والوطني لأعمال رنا، أكثر من جنود على حاجز.
حاولوا، وحاولتْ رنا النجاة بمعرضها، فكان أن
غلبتهم. بغض النظر عن روح رنا الفلسطينية بكل ما
في الكلمة من هوية وثورة وزيتون وطلقة، فمحاولات
اللوبي في فرنسا شهادة أخرى- رنا في غنى عنها- على
البعد الجمالي لأعمالها، فالجمهور هناك قد لا
يُعنى بالروح الوطنية للعمل، بقدر ما يتذوق روحه
الجمالية، وهذا ما نجحت به رنا، أن ترتقي بفلسطين
في أعمالها.
لم تكن رنا
كمن استنزف فلسطينَ بأعمال أنزلت البلد إلى
مستواها. بل قدمت جمالا آخر لفلسطين، جمالا
إضافيا، كانت أعمالها فلسطينية بكل تفاصيلها،
وكانت قبل ذلك لمسة جمالية جعلت فلسطين، واحدى
تفاصيلها، ترشيحا، أجمل مما عرفتُ.
|