"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ريم بنا.. أغنية من خلف الحدود، من الجليل

 


سليم البيك

 

    لا أغاني لها في محال الموسيقى في مخيم العائدين في حمص، ذهبتُ إلى مخيم النيرب في حلب فلم أجدها. درت كثيرا بين المحال في مخيم اليرموك في دمشق، إلى أن وجدت محلا صغيرا شبه منعزل، وعنده وجدت ألبوماً لها، اشتريت نسخة منه بعد أن اطررت للإنتظر بعض الوقت حتى يتم نسخ الـ CD. لا حقوق نسخ محفوظة هنا، فالـ "الحلم" ممنوع أصلاً، ومُحال أن تجد نسخة أصلية منه يباع في بلد عربي.

    هي ريم بنا، تعرفت على أغاني لها عبر الإنترنت، وسألت كثيرا حتى وجدت نسخة لألبوم لها، فوجدت "الحلم". مغنية فلسطينية من الناصرة، تغني قصائد لمحمود درويش وتوفيق زيّاد وزهيرة صباغ، والدتها، وشعراء آخرين. تلحن وزوجها ليونيد ألكسيينكو وآخرين الأغاني بأسلوب تمزج فيه الثقافات ببعضها، موسيقى عربية بنكهة آسيوية أو أوروبية، وتغني الفلكلور الفلسطيني بطريقة محدّثة في التوزيع والأداء.

    بعد سنوات، وهنا في أبوظبي، سعدت كثيرا بأن أجد ألبوم "مرايا الروح" وبعده "لم تكن تلك حكايتي". كنت على علم بكل منهما وبأنهما متوفرين، مسبقاً، في أسواق أوروبا وآسيا وأمريكا وربما السينغال، وكنت أسأل كثيرا عنهما إلى أن وصلا متأخرين إلى السوق في الإمارات، وهذه البلد معروفة بسوقها الواسع والمتنوع، فكيف الحال في دول عربية أخرى! وتتكرر قصة البحث والانتظار ذاتها مع ألبومها الأخير "مواسم البنفسج، أغاني حب من فلسطين"، الذي أستمع الآن إلى بعض أغانيه عبر ما أرسلته ريم من خلال الإميل، إلى أن يتوفر في السوق أو أن يغلق أصحاب المحال أبوابهم في وجهي. هنالك شيء ما في الأمر إذن، لا علاقة له بفروق التوقيت بيننا وبين إيطاليا مثلاً. ما الذي يجعل مغنية فلسطينية عربية بل وتغني التراث، إلى أن تُعرف في الأوساط الفنية والثقافية المهجرية والغربية أكثر منها العربية؟

    ألبومات ريم وأغانيها تتوفر في أوروبا قبل الدول العربية بعدة أشهر، إن توفرت أصلاً. حفلاتها تحيى في كل المدن والبلاد، من الناصرة ورام الله إلى أوروبا وأمريكا والهند والصين. ليس مدناً عربية، ومنها ما تحوي التجمعات الأكبر للفلسطينيين في مخيمات. فريم محرّمٌ عليها إقامة حفلات في بلاد عربية، كما أنها تلجأ لشركات انتاج أوروبية لإصدار ألبوماتها، مما يأخر من وصولها لدى مستمعيها في البلاد العربية.

    أما السبب في كل هذا فهو الحصار الذي يعانيه أهلنا في الجزء المحتل عام 48 من فلسطين، الخاضعين للقوانين الإسرائيلية والحاملين جوازات سفرها. أخجل أن أكتبها هنا ولا تخجل الطبقات المسيطرة والحاكمة من العرب، من الزعيق بها: أنّ ريم بنا، وفلسطينيي الـ 48، لا يدخلون بلاداً عربية بسبب الموقف – العلني طبعاً – من إسرائيل، ومقاطعتها، أو أنّ سلاماً مع الأخيرة يُعقد، فيسمح لهم بالدخول أهلاً وسهلاً. كما دائما، حججهم أقبح من ذنوبهم.

    أتردد كثيرا إلى محل الموسيقى، العاملة هناك صارت تعرفني وكأنها فور رؤيتي تخبرني بعينيها السوداوين كحاجبيها بأن "مواسم البنفسج" لم ينزل بعد. أسألها عن أمل مرقس، كاميليا جبران، فرقة صابرين، فرقة ولعت، فرقة دام. تعتذر بذات العينين وتقول بأن لا شيء مما ذُكر إلا ألبوم "اهداء" لفرقة دام، بحثتْ عنه في السيستم وأخبرتني بأنه متوفر في فرع محلهم الكائن في دبي، طلبت مني الانتظار ليومين أو أكثر حتى يتوفر في أبو ظبي. عدتُ بعد يومين، عندها وبشكل أوتوماتيكي غرقت بين آلاف الألبومات المرصوفة لكل أنواع وأشكال المغنيين، من اليابان حتى ألاسكا، ظهرتْْ وكأنها انبثقت من الأرض، والألبوم بيدها، قرأتُ أنه من انتاج شركة أوروبية، طيّب. سعدتُ كثيرا به، وأكثر بعد سماعه، راب فلسطيني هذه المرة.
 

’‘
حوار خاص مع ريم بنا

أجرى الحوار سليم البيك

تحمل فلسطين بصوتها وأغنياتها إلى مستمعيها، تحقق نوعا من "العودة" للاجئين، وترسيخا للباقين في فلسطين. تجول بفلسطين فيك حين تسمعها، فتشعر بعشب الجليل بين أصابعك، وحجارة القدس تملأ كفيك. هي ريم بنا، فنانة نصراوية فلسطينية بكل تفاصيلها، من صوتها إلى طريقتها في الكلام والغناء، مرورا بموسيقاها وخصوصياتها، إلى أثوابها واكسسواراتها. كان لنا معها حوار فلسطيني، كالآتي:

 1-    بداية، هل من مراجع جمالية لك في الغناء، صوت ما، أو عزف ما، قد يكون السبب في تفتّح أحاسيسك للموسيقى والغناء، وهل ما زال هذا الصوت أو العزف مستقرا في مكان ما هناك، في بالك، حتى الآن؟

 كل شيء في الوجود هو وحي لفكرة أو للحن, ولكن ما لا شك فيه أن كل ما ينطبع في العين والأذن من مشاهد وأصوات, خاصة في الطبيعة تكون ايحاء لمقطوعة غنائية جديدة, لان الاصوات في الطبيعة لها ايقاعها مثل أمواج البحر التي تلاطم الشاطيء, والايقاع هو اساس الموسيقى.
لكن أيضاً أصوات بعض الآلات الموسيقية تؤثر بي كثيراً, مثل صوت القولة (آلة نفخ), والتشيلو لان نبرة صوت هذه الآلات فيه شيء من الحزن.

 2-    تغنين التهاليل وأغاني الفولكلور الفلسطيني بأسلوب حداثي جريء، فهل تواجهين نقدا على ذلك؟ ممن؟ ولماذا؟

 في الحقيقة لم أواجه نقداً بمعنى النقد, ربما كان بعضهم متفاجيء قليلاً لانه لم يعتد أن يسمع أغنية "هلالالاليا" مع عزف على الجيتار أو أغنية "لاح القمر", ولكني عملت جاهدة بأن أي تغيير أو توزيع موسيقي حديث لن يمس بجوهر وجو الاغنية. ربما لهذا السبب لم يعترض احد بل بالعكس الاغلبية وجدت في ذلك محاولة للحفظ على التراث الفلسطيني وهذا هو هدفي أيضاً بان تبقى هذه الاغاني محفورة في الذاكرة ليرددها أيضاً جيل الشباب الذي لم يعد يرغب بسماعها, ولكن عندما تقدم له بقالب جديد نوعاً ما مع بعض التعديلات الصغيرة , وتوزيع موسيقي جديد, بالتأكيد ستعجبه وسيحفظها وهذا هو المطلوب.

 3-    هل تشعرين بنوع من المسؤولية في الحفاظ على التراث الفلسطيني كفلسطينية من الـ 48 أولا، وكفنانة ثانيا، وما الذي ترينه يهدد التراث الفلسطيني الآن؟

 بالطبع, وهذا ما قلته في السؤال السابق, لقد وجدت أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لجذب جيل الشباب لسماع هذه الأغاني القديمة, غير أنها غاية في الجمال وبإمكاني أن أقدمها بشكل جميل.
حتى أني ذهبت أبعد من هذا, فانا أعمل أيضاً على جمع نصوص تراثية قديمة لا لحن لها مثل الحدويات أو لتلعيب الاطفال مثل نص "مالك" والذي أصبح أغنية من ألحاني أنا وليونيد. لحنّا هذه النصوص أيضاً لانها المعرضة أكثر للنسيان والاندثار.بهذا نستطيع الحفاظ على هذا التراث الذي يحاول الاحتلال عشرات السنين من محيه من الذاكرة.
ومما نفخر به كفلسطينيين لن أقسم أنفسنا الى أقاليم وأرقام لذلك أقول كفلسطينيين من فلسطين التاريخية, بأننا حتى الان ما زلنا نقوم بطقوسنا التراثية ونغني الاغاني الجميلة في مواسم قطف الزيتون مثلاً أو في أعراسنا ومآتمنا.

4-    كيف ومتى برأيك ستوقف الحكومات العربية، وملحقاتها، حصارها على فلسطينيي الـ 48، ولو فنيا وثقافيا؟

 لا أعرف, ولا أعرف ان كان أحداً يعرف أن يرد على هذا السؤال, انه حصار على كل الفلسطينيين وليس علينا كفلسطينيي من ال 48, جزء من ألبوماتي موجود في أغلب الدول العربية, ألبوم "مرايا الروح" مرفوع الى الاسرى والممعتقلين في السجون الاسرائيلية, وألبوم "لم تكن تلك حكايتي" مرفوع الى الشعب الفلسطيني واللبناني لانه صدر في العام الماضي عندما كانت اسرائيل تقصف بهمجية قصوى لبنان وبلداتها لتمحيها عن بكرة أبيها. رغم أنني أصبحت ولو قليلاً معروفة على الاقل عربياً, بأنني فنانة تقدم كل فنها لخدمة القضية الفلسطينية ودوري في النضال والمقاومة لا يقل عن دور السلاح, حتى أحياناً يتفوقه, لانني بدأت "أُتعب" الاسرائليين وأحاصرهم بصوتي الذي اخترق الحدود والحصار لينقل معاناة الشعب الفلسطيني للعالم وحقيقة ما يجري على الأرض.
أتمنى على الدول العربية وأقصد هنا الدولة كدولة وليس الشعوب, أن تجد في رسالتي أهمية ما تجعلهم يفكون الحصار حتى ألتقي في الجماهير العربية التي لم أعد أعرف كيف أرد على تساؤلاتهم حول عدم تقديم أمسيات في بلدانهم. إنها أمنيتي.

5-    ماذا تقولين للاجئ الفلسطيني في الدول العربية الذي يصعب عليه أن يحضر حفلات لك أو يجد أحد ألبوماتك في السوق، وقد أرفعتي له أغنية "أمسا المسا" في ألبومك الأخير؟

شيء يحزنني فعلاً, لذلك رفعت أغنية "أمسى المسا" الى كل اللاجئين الفلسطينيين في ألبوم "مواسم البنفسج"-أغاني حب من فلسطين, لم أجد طريقة أخرى لاصل اليهم غير رفع هذه الاغنية لهم علها تصلهم عندما يتم توزيع الالبوم عربياً وهذا ما آمله.
لا أحد يستطيع أن يحاصر الصوت, ان صوتي هو الذي يحاصر من يحاول منعه من الغناء. اليوم أي شخص بامكانه ان ينزل أغانيَ من الانترنت أي ان الاغنية والكلمة والصوت لا يرضخ للاحكام والقوانين ولا لأي حصار.

6-    وماذا تخبرينا عن مشاركتك في مهرجان "يبوس" الأخير في القدس؟

الدعوة جاءت قبل يوم من الامسية, أحد الفنانين رفض تقديم العرض, ربما لم تسعفه الجرأة أن يأتي الى فلسطين والى القدس لتقديم عرض. اتصل بي صديق وهو من المدير الفني في مؤسسة يبوس للانتاج الفني والقائمة على مهرجان القدس, ليسألني اذا كنت أستطيع ان اقدم امسية في اليوم التالي رغم أنني لم أدع هذه المرة لتقديم أمسية خاصة وانني اصدرت البوم جديد هذا العام. بعد ان شرح لي الموقف الصعب الذي يواجهونه في الغاء ليلة من ليالي المهرجان, خاصة وان مهرجان القدس واحد من النشاطات الثقافية والفنية لاحياء مدينة القدس التي تحاول اسرائيل جاهدة لتهويدها.
بالطبع لم يتوقع أحد بأن اوافق, لكني وافقت لاني لا أعمل من أجل "ريم بنا" فنانة معروفة في فلسطين والعالم, بل لانني اعمل من اجل فلسطين فقط, ولم يهن علي ان تلغى ليلة فنية في مهرجان القدس الذي تحاول اسرائيل ايضاً افشاله وعرقلة قدوم الموسيقيين الاجانب اليه.
وكانت ليلة لا تنسى, حيث اكتظ المكان بالمئات من الجماهير القادمة من كل فلسطين رغم ان الاعلان عن الامسية جاء في نفس يوم الامسية في الصحف المحلية, وهذا يدل على اشتياق الناس لسماع اغانينا, وهذا بان في الامسية حيث شاركني الجمهور الاغاني واستمرت الامسية اكثر من ساعة ونصف.
والسبب الثاني لقبولي المشاركة هو حنيني للغناء في فلسطين, لانه في الآونة الاخيرة قلّت المهرجانات والعروض الفنية بسبب الاغلاق والحصار, واصبحت أمسياتنا ومشاركاتنا الفنية مقتصرة على المهرجانات العالمية. وجاءت هذه الفرصة للقاء الجمهور الفلسطيني في القدس العربية.
 


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

بورتريه:

ريم بنا، فنانة وملحنة فلسطينية. من مواليد الناصرة. درست الموسيقى والغناء في المعهد العالي للموسيقى "GNESINS" في موسكو الاتحاد السوفييتي. تزوجت في سنة تخرجها 1999 من الفنان الأوكراني ليونيد ألكسيينكو الذي زاملها في المعهد، ويعيشان حاليا في الناصرة في الجليل الفلسطيني. تغني بطريقة محدّثة، الأغاني التراثية والتهاليل ونصوصا شعرية عامية غير ملحنة من التراث الفلسطيني، إضافة إلى قصائد لشعراء فلسطينيين. كما احتوت ألبومات ريم العشرة على أغنيات عديدة للأطفال، صدر لها: جفرا \ دموعك يا أمي \ الحلم \ قمر أبو ليلة \ مكاغاة \ وحدها بتبقى القدس \ المذود (مع الجوقة النرويجية سكروك) \ مرايا الروح \ لم تكن تلك حكايتي \ مواسم البنفسج.

موقع ريم بنا: http://www.rimbanna.com

لسماع نماذج: http://www.horria.org/songs.htm

 


إلى ريم، صوت الجليل وموسيقاه