"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

قد بكتها.. وحدها

 


سليم البيك
 

    صبية، بان من أطراف وجهها ما يكفيني للقول يقينا بأنها جميلة. شعرها أسود مضرج بالأحمر، طويل ومموج، لمعانه آت من الدماء على ما أظن، ليس الجل. ملقاة أرضا، على جنبها الأيمن، وعلى بطنها، في احدى الساحات. تحاول أن تحمي وجهها بيديها خوفا وتفاديا للضربات. أحدهم يرفع يدها والآخر يضرب. تستسلم للوجع، تسلم يديها وتفتح وجهها للحجارة. كانت ترتدي جاكيتا ربيعيا أحمر، لم تصل حمرته حمرة دمها الليلكية، المطرّش على وجهها. كان نصفها السفلي مغطى بكلسون أسود فقط، يتغاير لونه مع قطعتي الجليد التي اعتادت أن تمشي بهما حتى تلك اللحظات. كانت لساقيها المعفّرتين بالغبرة والحجارة وأشياء لم أدركها، حركات فجائية لا تتناغم وتأوهات النصف العلوي. كانت تتوسط جيشا من الأقدام المتساقطة على كل بقعة من جسدها، أقدام لجماعة من البربر، كلهم ذكور، رجال وشباب مُأفْيَنين بطائفتهم، ورجولتهم.

    هذا ما نُقل لي عبر البلوتوث من صديق قادم من سوريا، قال بأن الفيديو، الذي استغرق خمس دقائق، منتشر، وأن القصة معروفة: صبية من احدى الطوائف أُجرم بها في قريتها- يقال بأنها جرت في ضواحي مدينة السويداء السورية، وهناك من يؤكد بأنها كانت في ضواحي الموصل العراقية- بسبب زواجها لرجل من طائفة أخرى!

    قال بأن أهلها، الرجال منهم، شاركوا في الجريمة، شاركوا في تفتيت حجارة "البلوك"- حجر البناء- على جسدها. وقف أرجَلُهُم أمام رأسها ومدّ يديه ببلوك آخر ولم يكن الأخير، وأسقطه، لم يشعر بفحولته بعد ربما، أو بغسيل شرف عائلته– صيحات كانت تُسمع كـ "شرف العيلة" و"قحبة"...- فرفع ذات البلوك ورماه على رأسها ليطحن جمجمتها. وتمتزج دماء أطهر من شرفهم جميعا، أطهر من ذكورية مجتمعهم البربرية، التي سلّمت لهم بالحق المطلق، تمتزج بصيحات نشوتهم، بصفير النصر، وغسل عار الطائفة من دنس ألحقته بها وبهم، صيحات انتحارٍ آخر لمجتمعاتنا.

    ليست الجريمة هذه جديدة من نوعها،  وليست نادرة في جميع مجتمعاتنا العربية "الأبوية"، بكل طوائفها، في الأماكن النائية خاصة، في القرى المعزولة، حيث لا مدنيّة، والمهيمن المطلق هو الذكر، مسلّحا جريمته بالعادات والخرافات والطائفة، وجرائم أخرى ترتكب في حق نساء أخريات، في وضح النهار.

    مضت دماء هذه الجميلة المجهولة، على تراب قريتها، بطريق شقتها من بين الوحوش، رأيتهم يبتعدون عنها، يفسحون لها الطريق. هكذا رأيتها، تهرب كي لا يُنكّل بها كما نُكل بالجسد الطاهر بعد تمكن روحه من الهروب لربها. كانت تمضي على مهل وحزينة.

    رأيتها تبكي هذه الدماء..