|
سليم البيك
- اوصفلي الطريق إلى بيتك يا مروان.
- قبل أم بعد..؟
- لم أفهم..
- قبل الخراب أم بعده؟
كان البيت
في حي النهر، على شارع الكرمل، أو كان في حي كان
يسمى بالنهر، على شارع كان يسمى بالكرمل، أو كان
في ما كان يعرف بأنه حي، وسمي بالنهر، وعلى ما كان
يعرف بأنه شارع، وسمي بالكرمل.. في ما عرف بمخيم
نهر البارد.
كان هنا
بيت صغير، تتزاحم الأشجار في حرشه الأصغر من أصغر
غرفه. كان كفلسطين مختصرة في بيت. كان ذاكرة
حاولوا حرقها. مر الجنود من هنا، أحرقوه عدا عن
غيره وتابعوا المسير. ليس الكلام، مجددا، عن جيش
"إسرائيل"، بل أقول: مجددا، الجيش هنا "شقيق".
لم يدمر
البيت بمدفعية أحرقت وقتلت أهالي نهر البارد
وبيوتهم "بالخطأ". لم تكن هنالك معارك في الحارة
الشرقية حيث كان يسكن الروائي والتشكيلي والسياسي
مروان عبد العال، احترق البيت بعد دخول الجيش إلى
المخيم المستباح ، بعد سيطرة الجيش الكاملة.
أحرقوه لمحو ذاكرة ربما، لاغتيال حلم، لعقاب
فلسطينية مروان الأصيلة.. ولتغطية سرقات ما بعد
الحرب.
- يا مروان.. الرجال تبني البيوت، لا البيوت
تبني الرجال.
- البيت احترق، الأحلام تبني الرجال،
وأحلامنا لن تنكسر..
لا وجود
لفتح الإسلام في تلك الحارة التي تعودت مساءاتها
على موسيقى موتسارت تتسلل من تحت عريشة العنب، عند
مكتبة صغيرة، إلى نواحي حارة النهر. كان الجيش
هناك منذ أيام الحرب الأولى، اغتال موسيقى ومكتبة
تغلبتا على فتح الإسلام، وقبل رحيله عن المخيم
وانتهاء الحرب، حرق البيت. حرق المنفى، وطن
الفلسطيني المؤقت وذاكرة أجيال كان أولها جيل
مروان.
- ما الذي احترق يا مروان؟
- مصبات قهوة كانت في ديوان جدي في
الغابسية.. زجاجة تحوي تراب الغابسية الممزوج
بتراب البارد.. صور لأجدادي في الغابسية.. لوحاتي
ومحاضراتي ومكتبة ضخمة وأشرطة فيديو.. المكان لم
يعد يشبهني.. اليوم مات النهر. لم أكن أدرك يا
صديقي المنفي أن القتل التسلسلي له مرادف آخر هو
النفي التسلسلي. أن تنفى من مكان إلى مكان، من
منفى قديم إلى منفى جديد، من منفى قسرى الى آخر
طوعى. ولكن ما ليس فى الحسبان أبدا أن ينفى المكان
نفسه.
|