|
سليم البيك
في سوريا،
خرجت في رحلات إلى الريف والساحل هناك، رحلات
فلسطينية بكل تفاصيلها، من أغاني مارسيل والشيخ
وزياد، وأكثر من ذلك أغان فلسطينية، منها الثورية
والحزبية والتراثية، إلى الدبكة والمشاوي والتبولة
وأحاديث تتناول الأوضاع في الأرض المحتلة، ويتخلل
ذلك نكات تُلصق إما بفصائل أو قرى ومدن فلسطينية
محددة، وإلى الكوفية والعلم الفلسطيني، ويرافقه
أحيانا علم أحمر، فالجو فلسطيني بقدر ما استطعنا
أن نكون، كلاجئين، فلسطينيين. إلا المكان.
كثيرا ما
شردت بناظري في هذا الريف الجميل، أنظر حولي
وأحاول إقناع نفسي بأني الآن ولو للحظة في الريف
الفلسطيني، في الجليل تحديدا، فأفشل. أفعل كمن
يغلق عينيه ويشد عليهما محاولا أن يشعر بلحظة تحول
في المكان أو الزمان، كمن يحاول في برد قارس في
المخيم أن يسلخ نفسه عن نفسه وما حولها فيشعر
بلحظة دفء، فيفشل.
عشقت الريف
السوري، لشبهه المنطقي بالريف الفلسطيني، شعور
ناقص أن أشبّه جمالا بجمال لسبب منطقي، بل وأعشقه
لذلك: أنّ الريف السوري محاذي للفلسطيني وكل منهما
امتداد للآخر، وأن مسألة الشبه بينهما إنما مسلّم
بها. هكذا أتكلم عن تشابه جمالين، أحدهما لي، لا
أعرفه بل أعرف وأعيش الأخر، شبيهه، وأعشقه غيبيا
لذلك الشبه المستنتج.. منطقيا!
أن أحب
الريف الفلسطيني من خلال حبي لشبيهه السوري،
الساحل الفلسطيني من خلال السوري، أن أحب الوطن
الفلسطيني من خلال المخيم على الأرض السورية، هكذا
عرفت فلسطين وأحببتها، من خلال المخيم. كثيرا ما
حاولت، عابثا، أن أخلق صورَ شبه بين مخيمي،
"العائدين" في حمص، وبين قريتي ترشيحا في الجليل.
توصلت لحالة رضى نسبية في محاولاتي هذه: فقط بأن
أغوص في تفاصيل المخيم، كأن يكون باب بيت جدي فيه
يشبه، حتما، باب احد البيوت، ربما بيت جدي نفسه،
في ترشيحا. عمود كهرباء خشبي أثري وأزلي محفور
عليه أحرفا وقلوبا وأسطرا شعرية، أن يكون هناك،
حتما، مثله في قريتي. ملصق حزبي على جدار بيت
ربما، أو فتاة تنشر الغسيل ظهرا، أو حتى غيمة.
حين يكون
الجمال عندك مجرد ممر لآخر تنتظر أن تعيشه، حين
يكون مفهوم الجمال في حياتك كلها ممر، وتكون حياتك
لحظة انتظار. حين تعشق مكانا ما كمخيمك، لصور
خلقتها فيه، وشبهتها بأخرى في مكان آخر عشقته،
فعشقتها لذلك الشبه المختلق، وعشقت الآخر\وطنك من
خلال ذلك المكان\مخيمك. حين لا يكون الجمال ببساطة
أن تفتح الباب لتدخل ترشيحا والجليل كله بيتك، حين
لا يكون جمال بلدك بهذه البساطة عندك، فلتنتظر..
إلى أجل لم يسمّ.
|