"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ملاحدة

 


سليم البيك
 

    عرض إميل حبيبي في روايته (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) تَناقض منهجين للحياة، تجسد أحدهما في شخصية سعيد، والآخر في الشيوعيين، كما تجسد هذا الآخر في شقيقته يعاد وزوجته باقية وابنه ولاء؛ يعاد- وكأن اسمها يقول بوجوب عودتها- التي هُجّرت من أرضها وتصر على العودة. باقية، الباقية في البلد وإن بعيدا عن قريتها المهجّرة، الطنطورة. ولاء، الذي انحاز للحياة ولولائه لها ولانتمائه لفلسطين باختياره طريق العمل الفدائي للتحرر من الخوف والصمت.

    أما سعيد، فيتفاخر بولائه للدولة العبرية، وهو لا يقوم بذلك إلا اقتناعا منه بأن الوضع ما كان ليكون أفضل مما كان، وأنه لحسن الحظ أن الأسوأ ما حصل. وهذا المنهج لا يفسر فقط موقفه من قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين، وإنما من أي أمر قد يصيبه، مهما صغر شأنه أم عظم، فيقول: ’ أقوم في الصباح من نومي فأحمده على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا، المتشائم أم المتشائل؟‘ والتشاؤل هذا، كما يقول، متوارث في عائلته، وهنا أذكر بأن والده كان، مثله، موالي للسلطات البريطانية آنذاك، وكان متشائلا.

    أما المنهج المناقض فتجسد، إضافة ليعاد وباقية وولاء، في الشيوعيين. تناقض سعيد مع الشيوعيين يعود بأسبابه لما هو أعمق من الموقف السياسي لكلا الطرفين من الدولة العبرية، يعود للاختلاف في تحليل وقياس الأمور وتقييمها والاختيار بين ضرورة تغييرها، وبين القبول بها وتجاهل وجودها، أما الموقف الأخلاقي والسياسي من تلك الدولة، فيلحق ما ذُكر. وسعيد كان دائم الرضى بما يحصل ويقيسه بالأسوأ منه، فيحمد ربه بأنه، أي الأسوأ، ما حصل. أما الشيوعيون- في رواية حبيبي- فيتمردون على الواقع ويسعون لتغييره. وأذكر هنا الحوار بين باقية وسعيد حين تسأله:

- من هم الشيوعيون؟

- ناس يكفرون بالنعمة.

- أية نعمة؟

- نعمة الغالب على المغلوب بالحياة.

- هذه نعمة ربنا.

- فيكفرون بربنا. إنهم ملاحدة.

- كيف يكفرون؟

- يدّعون القدرة على تغيير المكتوب.

    فلو كان "الإيمان" هو الرضى بنعمة الغالب على المغلوب، بالتسليم بأن إسرائيل قدر وأنه ما كان ليكون أفضل من قيامها على أرضنا، وأن ما تمنحه ما هو إلا حسنة منها ونعمة، حرام أن نكفر بها. فلو كان الإيمان كذلك، فليكثرنّ الملاحدة إذن.

 ::::::::

تنويه: نهج الشيوعيين هنا قد لا يعبر بالضرورة عن نهج كل شيوعي فلسطيني، وغير فلسطيني، فليس كل شيوعي منسجم مع ذاته.