|
’‘
حوار خاص مع أمل مرقس
أجرى الحوار سليم البيك
1- أمل،
أخبرينا عن تجربتك الأولى مع ألبومك "أمل"
وأغنياته؟
ليس صدفة أن يحمل أول ألبوم غنائي خاص بي اسم "
أمل ". هو بطاقة هويتي الأولى، هو البداية وبطاقة
دخول واعتراف، هو توثيق لما أحب وأشعر بعد فترة
ظهور فني طويله بدأتْ بعمر الطفولة المبكرة. في
عمر الـ 5 سنوات اعتليت المسرح في المهرجانات
الشعبية والمظاهرات ومخيمات العمل التطوعي في
الناصرة وغنيت أغنية: سوف ننتصر يوما ما و"we
shall over come" لمغنية الشعب الأمريكية جوان
باييز، وكذلك أغنيات شعبية ووطنية مختلفة عكست من
خلالها أحلامي وأوجاعي وكانت أكثر قولا سياسيا من
كونها قولا فنيا. ولم تسمح ظروف حياتي- حياتنا
كفلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948- أن أطوّر مسيرة
فنية عادية أو محمية بمذهب موسيقي معين أو
مدروسة أو ممولة من شركة انتاج أو حتى من أي مؤسسة
ثقافية عربية أو أجنبية، وعندما وصلت إلى مرحلة
الاحتراف الفني المهني وتأكدت من عدم توفر امكانية
ايجاد قناة انتاج تستثمر مشروعي الفني وترعاه
وتأخذه الى آفاق جديدة واسعه كأحلامي قررت أن أكون
منتجة الألبوم الأول وأغامر بتسجيله، وكان الألبوم
أشبه بمغامرة كنت متأكدة من نجاحها وأردت من
البداية أن يكون عملا معدا للتسويق العالمي وأن
يخاطب شرائح متلقية واسعة.
كذلك كان رصيدي من الأغنيات الخاصة صغيرا لعدم
وجود ملحنين فلسطينيين في الداخل يعملون بمثابرة
وخبرة كافية بسب ظروف ابداع "نووية" كما يقول زياد
الرحباني في مسرحيته "نزل السرور"، فأخترت
بالإضافة لأغنياتي الخاصة، اخترت أن أقدم أغنية
فلسطينية شعبية هي "عالأوف مشعل" مع كلمات تحكي عن
فترة السفربرلك في فلسطين، وأن أقدم أغنيتين بصيغة
جديدة ومغايرة من قديم السيدة فيروز مثل أغنية "يا
عود" التي اخترت تقديمها "أكابيلا" أي غناء منفرد
بدون مرافقة، وهي تحمل زخما موسيقيا شرقيا رائعا
ولمضمون الكلام أهمية خاصة عندي: "تكتب وتمحي
حدود يا عود" كذلك شعرت بمسؤلية إعادته لعدم
توفرها بالتسجيلات، أي أنها أغنية نادرة كنا
التقطناها عبر "إذاعة دمشق" في ساعات الفجر
وسجلناها أنا وزوجي نزار. كذلك الأمر في أغنية
"يابا لا لا" الفيروزية الشعبية المرحة والتي
أعطيناها توزيع هارموني وإيقاعات حديثة وأسلوب
غنائي مغاير جدا. واخترت أن أغني "عصفور طل من
الشباك" التي هي بالأصل لمارسيل خليفة وأميمة
الخليل الرائعين الذين بمشروعهما الفني حملوا
صوتنا، فلسطينيي الـ 48، عاليا وغنيا الأهازيج
التي ترافق نضالاتنا من أجل الحرية والمساواة ومن
أجل القيم الإنسانية العالية فاستفزتني هذه
الأغنية، وحركت مشاعري كطفلة، وأحببت أن أغنيها
بصيغة موسيقية موسعة وليس فقط مع آلة العود وإنما
بإضافة البيانو والغيتار والباس والإيقاع الغربي.
2- وماذا عن
ألبومك "شوق"؟
بعد
صدور "أمل" بخمس سنوات كانت الحال كما هي بالنسبة
لشركات الإنتاج، فخضت تجربة الإنتاج مرة ثانية
وثالثة وأنتجت ألبوم "شوق"، ويحتوي الألبوم على
عشر أغنيات جديدة بألحان خاصة له، الكلمات كانت
نصوصا شعرية بالفصحى والعامية الفلسطينية كما كان
الأمر مع أغنيات "أمل"، كانت نصوصا لتوفيق زياد
وفدوى طوقان ومحمود درويش وأحمد فؤاد نجم ومرزوق
حلبي ونزار زيق: يوميات جرح فلسطيني، غريب في
مدينة بعيده، كيف تولد أغنية، ورق، جينة عروس،
شوق، يما مويل الهوى، ستي، تعالي إلي، نيران
المجوس. أما التوزيع الموسيقي السيمفوني وقسم كبير
من الألحان وضعها الملحن وعازف العود والكمان
القدير نسيم دكور.
3-
لكن هناك أيضا في "شوق" أغنيات تحمل روحا
شعبية شرقية بحته مع أن غالبيته موزع سيمفونيا؟
بعض الأغنيات
العامية بقيت بتوزيعتها الموسيقية الشرقية
الكلاسيكية كأغنية "ستي يا صدر البيت" و"جينة
عروس" و"يما مويل الهوى". وكان لهذا ضرورة كبيرة
لي كمغنية أن أغني الغناء الشرقي الأصيل. معطياتي
الصوتية وانكشافي على الثقافات والحضارات الفنية
العلمية المختلفة وغنائي المتعدد الجوانب والمذاهب
يعود فضل كل ذلك إلى بيتي وتربيتي على القيم
الأممية، فإلى جانب أغنيات جدتي وأمي وموسيقى
أعراس الحارة وحياة القرية الجميلة وأهازيج عيد
العمال وأغنيات الحزب الشيوعي الوطنية، كان لدينا
اسطوانات لفيروز وعفاف راضي ودريد لحام وعبد
الوهاب وميكيس تيودوراكيس وتشايكوفسكي وجوان
باييز.
أغنية "ورق" من
كلمات أحمد فؤاد نجم، لحن وتوزيع بشارة الخل الذي
لحنها بأسلوب" السوينغ" بها تهكم وشقاوة وإيقاع
مميز. أغني اجمالا بطريقة تعبيرية وليس بهدف
التطريب فقط انما أعطي للأغنية أداءا مسرحيا
بطريقتي أنا وهذا يعود لكوني أيضا ممثلة وخريجة
معهد الفنون المسرحية.
4- وألبومك
الأخير "نعنع يا نعنع"، ما الجديد الذي يحمله؟
يحتوي "نعنع يا
نعنع" على أغنيات شعبية فلسطينية منها المألوف جدا
ومنها المنسي وغير المحفوظ أو لم يغنّى من قبل
بشكل مهني. استغرقنا هذا المشروع عاما ونصف،
قدمناه بالبداية كحفل فني ضمن مهرجان العود في
القدس ولاقى تجاوبا منقطع النظير، شعرت أن فيه
نضوجا فكريا وفنيا، وقد أحببت في هذه المرحلة
أن أزور بصوتي وهاجسي الفني منطقة محمية واضحة
ولكن منسية مهملة.
بحثت وسألت
وقرأت واستمعت وغصت بماضي أهلي وجاراتي وأبناء
بلدتي واستفزني فضولي وارتباطي الوثيق بتاريخ شعبي
وبهوتي، وشعرت بالغيرة من جداتنا الأصيلات اللواتي
يرتجلن العتابا والأويها والزغاريد ولكل حدث أو
مناسبة عندهن قول أو موال أو غناية ورثوها عن
جداتهن بكلام واقعي مليئ بالبلاغة والشجن وألحان
مركبة الإيقاع ومبهجة للروح.
منذ كنت طفلة
كنت أحب الغناء الشعبي وأحتفظ بقصاصات ورق مع
كلمات لأغنيات شعبية ولمراجع تراثية وهناك أغنيات
أذكر بداية ألحانها، ويتذكرها نساء ورجال قاربوا
السبعين عاما، حضرت قائمة أغنيات طويلة جدا أردت
من خلالها أن أغطي في مضامينها النصية والطقسيه
جميع مجالات حياتنا وكيف يتغير نص الأغنية ويتغير
حسب تبدل الأنظمة والاحتلالات. هنالك أغنية من زمن
المماليك تعود لفترة القرن السابع عشر، وهناك
كلمات لأغنية "سكابا" مثلا تحكي عن محامي الهوية
والأرض المناضل حنا نقارة. ويحوي "نعنع يا نعنع"
أغنيات الشعب الذي أنتج لكل مناسبة أغنية
وأهزوجة، ولكل طقس فرح أو ترح أو سفر أو حرب أو
كارثة طبيعية، غنيت أغنيات الحب والعشق والفراق،
أغنيات الخطبة والزفة والعرس والولادة والتهاليل
والتغييث وأغنيات النضال وهجر الدار واللجوء.
ولحن نسيم
دكور، إضافة لإشرافه الموسيقي الشامل، أغنيتين
جديدتين لنصوص قديمة مثل عتابا "الصبر" وأغنية
"يالله الغيث" وهي من طقوس طلب المطر.
كذلك جميع
الأغنيات لحنت لها مقدمات موسيقية جديدة واعطيت
زخما موسيقيا من عدد كبير من الآلات الموسيقية،
كمنجات وبزق عربي، عود وناي وكولة ودفوف وتارات
وطبول ودربكه ودهلة ومؤثرات صوتية. "نعنع يا نعنع"
مشروع فيه ذاكرة جماعية يرفع المعنويات ولا يهدف
لاجترار التراث ووضعه على الرف مثل تمثال، فهذه
الأغنيات شبهتها بالنعنع يانعه طريه عبقة الرائحة
تنمو متكبرة في حوض الدار– الحوش- تداوي الروح
وتفتح قناة تنفس نظيفة.
5- أمل مرقس، ريم بنا، فرقة صابرين وغيرها من
الأسماء المعروفة في مجال الغناء والموسيقى
فلسطينيا وعالميا ، ولكن ليس عربيا بما يكفي، فما
السبب برأيك؟
بما
أني لا أعمل بالفن كموظفة وأنا غير محكومه بقوانين
السوق التجارية ولا أتعامل مع فني كسلعة
استهلاكية وأعرف بأني أقلية في هذا المجال وهذا
الطرح. أجد بأنه لدي متسع من الحريه في الإبداع
الذاتي، وأن أغني ما أحب وما يستفزني ويثير
اهتمامي وما أريده تحديا فنيا أمامي حيث انعدام
وجود بنية تحتية للإنتاج الفني الفلسطيني في
البلاد يولد استقلاليه بالعمل وأفكارا وحلولا خاصة
بالجو العام وغير مرتبطه بما يجري بالعالم العربي
وبسوقه الفني.
مع
التطور التكنولوجي وسرعة إمكانية وصول الأغنية
واختراقها الحدود الجغرافية عبر الإنترنت، أعطتنا
مؤخرا قناه جديده وكشف أوسع لجمهور لم يكن يعرفنا
كفايه أو أنه لا يعرفنا بالمرة مما يضع مسؤلية على
أكتافنا أكبر وأن نتميز بمهنيه عاليه وجودة عمل
افضل.
نحن الفنانين
من أبناء الشعب الفلسطيني، لماذا نتوقع أن نحظى
بأهتمام العالم العربي (ولا أتحدث عن الشعب) بنا
إذا كان العالم العربي لا يهتم فعلا باللاجئ
الفلسطيني ومأساته أو بالفرد المكافح الفلسطيني من
أجل حريته ولقمة عيشه ولا يقوم بالضغط على اسرائيل
لوقف الاحتلال والاستيطان ويقومون بالتطبيع
الاقتصادي المشين الآخذ بالتصاعد. يقاطعونني
كفنانه فلسطينية تحمل جواز سفر اسرائيلي ويهرولون
لتوقيع معاهدات اقتصادية مع شركات خليوية
اسرائيلية وغيرها.
أي أن هناك
قضايا إنسانية مأساوية أصعب وتتطلب كشف ودعم أكبر
من القضية الفنية التي بمثاية صوت ومساحة كشف
للقضايا والمطالب الإنسانيه، فعندها التعتيم علي
أو عدم انتشاري عربيا يتقزم أمام هول مأساة
الإنسان الفلسطيني العادي الذي لا وطن له، في
البلاد العربية.
6- ما قصة
اختيار صوتك من قبل قناة ثقافية نمساوية من بين
أجمل عشرة أصوات في القرن العشرين؟
عالميا انتشرت منذ أكثر من 15عاما. وساهم توزيع
ألبوم "أمل" عالميا بكشفي وبمشاركتي في مهرجانات
عالمية هامة ومميزة إلى جانب فنانين عالميين
معروفين وشاركت في الكثير من المشاريع العالمية في
أفلام موسيقية أو اسطوانات لفنانين من العالم. في
عام 2001 وصلتني دعوة وتحية من المخرج والموسيقي
النمساوي اندريه هلر، عن طريق وكيلة أعمالي في
المانيا آنذاك، على أنه وقع الاختيار علي كواحدة
من صاحبات الأصوات الجميلة والمميزه في القرن
العشرين، أنا ومجموعه من المغنيات العالميات
الشهيرات أمثال مغنيه الأوبرا الشهيره جيسي نورمن
والمغنية اليونانية الأشهر خاريس الكسيو ومغنية
الجاز الفرنسية الشهيرة ديدي بريدج وولتير
وأخريات، ودعانا للمشاركه في تصوير فيلم موسيقي
طويل 90 دقيقه في استوديوهات التلفزيون النساوي
بعنوان "بريمادوناس فيست \ أمسيه السيدات
الاوائل". كان الفيلم ثمرة تعاون أتمنى أن تنفتح
أبواب تعاون مختلفة بيننا كفنانين فلسطينيين وبين
ملحنيين عرب تقدميين لامعين، يساهمون في إعطاء
الأغنية الفلسطينية دعما يخفف من وطأة الحصار
الإسرائيلي من جهة، والرسمي العربي.
|