"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

P.L.O

 


سليم البيك
 

    بعد أن درتُ على أكثر من مركز طبي واتصلت بالعديد منها علّني أجد من يعترف ببطاقة التأمين الصحي التي أحملها في جيبي، وجدت مركزا يقبل بها، كان في احدى العمارات ضئيلة الحجم، المعزولة، القديمة، من تلك غير المزودة بأنظمة تكييف مركزية. دخلت العمارة بجوها غير الصحي. وصلت عبر الدرج إلى الطابق الثاني، فالمصعد كان يعج ببقايا دخان السجائر وبأعقابها. حين وصلت إلى مدخل الطابق، وكان الوقت آنذاك ظهرا، للحظة أو اثنتين لم أعد أرى شيئا، بسبب الإضاءة الخافتة جدا في ممرات الطابق، بخلاف الدرج الذي تكسر خطوطٌ من الشمس، تمر عبر نوافذ ملطخة ومكسورة، ظلامها. لم تحُل تلك العتمة، على كل حال، دون رؤيتي للافتة تشير إلى مكان العيادة\الشقة.

    سألني موظف الاستقبال بعض الأسئلة الروتينية، وكان هنديا بالمناسبة، وكذا باقي موظفي المركز، سألني: وين في بلاد ما إنتَ؟ فقلت: Palestine، وحين رأيت على شاشة كمبيوتره بأن عليه كتابة رمز للبلد مكونا من ثلاثة أحرف ورأيته قد تردد قليلا عند الرموز، بادرت: PAL. ظننته لم يسمعني جيدا فكررت: PAL…… Palestine. لكنه لم يعرني أي اهتمام، وبدا وبلحظة كأنه استرجع ما فقده لثوان، وما كان يحاول جاهدا تذكره، وجد الرمز المخصص لذلك البلد، فلسطين، فكتب PLO، الأحرف الأولى لـ منظمة التحرير الفلسطينية، التي عرفناها كفلسطينيين بأنها "الممثل الشرعي والوحيد" لنا، والتي كانت، ضميريّا، كذلك، حتى في العيادات المعزولة.

    أحببت ما كتب، وجعلني أكثر تفاعلا معه، ومع الطبيب من بعده، وأعاد على نفسي أسئلة متكررة دوما: أين هي منظمة التحرير؟ ومتى نتقدم إلى الوراء ولو قليلا لتكون المنظمة الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا؟ المنظمة التي استأثرت بها "فتح" وطفيليات شكلت أذيالا لها، المنطمة التي جعلتها "فتح" احدى مؤسسات الحركة، بدلا من أن تكون الحركة مكونا من مكونات مؤسسات المنظمة، إضافة لباقي الفصائل.

    لا أدري سبب كتابة رمز "دولتي" بالأحرف الأولى لـ منظمة التحرير الفلسطينية، ولكني كحال بقية الفلسطينيين، أنتظر أن تكون المنظمة مرجعيتي لا دولتي، أن تكون كما تكون الدولة مرجعية أي مواطن على هذا الكوكب، أنتظر يوما تكون فيه المنظمة بيتا فلسطينيا يشمل كل القوى والتيارات الوطنية في كافة أماكن تجمع هذا الشعب المشتت. ولا تكتمل "فلسطينية" المنظمة إن لم تشمل مؤسساتها ممثلين عن الفلسطينيين في الجزء المحتل عام 48 من الوطن، حتى يأتي اليوم الذي أقول فيه: PLO، أكتب PLO خيا، تمثلني وتمثل كل شعبي، في الجليل والمثلث والنقب، وغزة والضفة، والمخيمات والشتات، وفي المريخ إن وجد.

 

***

 

    في زيارة ثانية لذات العيادة لذات السبب. كنت قد استهلكت ما وصفه لي الطبيب من دواء، وبعد يومين أو ثلاثة رجعت إلى حالتي التي سبقت زيارتي الأولى. دخلت المبنى وصرت أنظر حولي علّي أجد ما أعدّل به النص، أو أضيفه قبل ارسال المقال للمحرر.

    لكن…

    أثناء انتظاري دوري للدخول إلى غرفة الفحص، سألني رجل واقف في الدور: هل أنت سوري؟ قلت: لا، فلسطيني. قال: الهوية التي تحملها فلسطينية أم فلسطينية\سورية؟ فأجبت بالثانية. هنا لاحظت أن في الأمر غرابة ما، رجل بهيئة آسيوية – تبين لاحقا بأنه بنجالي- يعرف بهذه التفاصيل عن تشتت الفلسطيني. قال بعد فترة سكون: ذهبت من بنجلادش إلى هناك في أواخر الـ 1981.. أنا كنت في بيروت.. قاتلت مع المنظمة في صيدا و"عين الحلوة".. كنت على المدفعية..

    ذهلت وضحكت واحتجت وقتا لاستيعاب الموضوع. صار يحكي لي عن القصف الإسرائيلي وحصاره، و"القوات اللبنانية"، للفلسطينيين وهو منهم، والموقف العربي الذي قال عنه بلهجته العربية المكسرة: هذا عرب ما يسوي شي.. بس في كلام.. حتى كلام مافي

    قال بأنه ذهب ضمن مجموعة من بنجلادش للانضمام إلى الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، قال بأنه ترك لبنان وعاد إلى بلاده عام 1985، وهاجر إلى الإمارات عام 1986 ليبني حياة أخرى، جديدة.

    في عيونه المغرورقة رأيت حنينه لبذلة الفدائي الخاكية، ومدفعيته ومخيمه.

    ربما خجلت أن أسأله عن رأيه "بالمنظمة" اليوم، أو أنني خفت أن يسألني عن أخبار "المنظمة" اليوم، خجلت أن أجد نفسي في مكان أقول له فيه: لا يا رفيقي، منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد تستحق سؤالك عنها.

    صاح صوت نسائي من الداخل: عبد الكريم. فدخل، واختفى..

    قد يكون هذا اسمه الحركي، احتفظ به، وببطاقة هويته الفلسطينية ربما، أما منظمة التحرير الآن، فقد نسيته، وغيره من الفلسطينيين، فأخجل اليوم أن تكون ممثله وممثلي الشرعي والوحيد.