|
سليم البيك
كادت حكاية
فاطمة الهواري مع النكبة تنحصر في بلدتها ترشيحا،
قضاء عكا، وبعض القرى المجاورة في الجليل
الفلسطيني، كرواية فردية لم تُعطى أبعادها الجمعية
الفلسطينية، إلى أن رأى "عروس الجليل" النور ليحكي
عن فاطمة وترشيحا وباقي القرى والمدن الفلسطينية
ولما تعرضت له عام 1948، ما عرفناه بعام النكبة،
وما سماه ألان بابيه بالتطهير العرقي المنظم في
فلسطين.
يحكي "عروس
الجليل"، من إخراج النصراوي باسل طنوس، عن قصف
ترشيحا وخاصة القصف الذي طال دار الهواري وما
ألحقه بفاطمة التي كانت تُعرف في ترشيحا بأنها من
أجمل صباياها، وهو ما أكده لي جدي المهجّر من هناك
قبل مشاهدة الفيلم، أثناءه، وبعده. وقد ألحق
الطيران الصهيوني بفاطمة الشلل وألزمها العيش منذ
النكبة وحتى اللحظة، على كرسي متحرك.
جاء، في
عام 1995، الطيار الصهيوني الذي قصفها، إيبي نتان،
وكان حينها من أولئك الصهاينة المتسترين بعباءة
"حركات السلام" العاجزة عن ستر عريهم وبشاعته.
جاءها طالبا السماح! فأجابته فاطمة بأنها تسامحه
فقط إن أعاد لها قدميها، أجابها بأنه عاجز عن ذلك،
فردّت عليه بلهجة ترشحاوية حازمة: بسامحكش. ودعت
الله بأن يرد لها حقها منه، ليصاب هو لاحقا بشلل
نصفي.
يحدث لاحقا
بأن تقابله فاطمة وحالته أسوأ بكثير من حالتها،
فترفع صوتها شامته بحاله: الله يا هالدنيا، إلى أن
يسيطر الوجه الإنساني لشخصية فاطمة وتنظر إليه
نظرات حزن وشفقة وتسأله عما إذا كان يتابع علاجا
فيزيائيا.
الفيلم
حقيقي وواقعي بأحداثه وتفاصيله وشخوصه، الحكاية
يرويها أصحابها على طبيعتهم بلهجتهم الترشحاوية.
حتى أن مشهد لقاء فاطمة بالطيار مبني على الذهول
التلقائي المرتسم على ملامح فاطمة، فهذه المرة
الأولى التي يتقابل فيها فاطمة والطيار بعد عام
1995، وهي برأيي اللحظة الأقوى التي هندسها باسل
في الفيلم، ففاطمة لم تكن على دراية بحالته وشلله.
كمشاهد
لاجئ قدم له الفيلم أول لقطات فيديو واضحة لتفاصيل
بلدته ترشيحا، حشائشها وحجارتها وطرقاتها وبيوتها
وقبل ذلك ناسها ونسائها، لا يمكن أن يكون رأيي به
موضوعيا. يحتاج الفيلم، برأيي، لساعات طويلة
لتسجيل تفاصيل أكثر وأدق من البلدة، أن يصور كل
البيوت وكل الناس وكل الحواكير... قال لي جدي
أثناء مشاهدة الفيلم: يا جدي قوله – لباسل- يصور
أخوي ابراهيم وبيته. وكأن للفيلم خصوصية، بل ملكية
خاصة، لكل فرد من أهل البلدة في الشتات، خصوصية
نشعر بها في كل لقطة ونبرة تصدر عن التلفزيون
أثناء العرض. فللفيلم هنا قيمة إضافية، إضافة
للتوثيقية والروائية التي عمل عليها باسل، مما
ييستلزمني مشاهدات عدة للفيلم.
ينتهي
"عروس الجليل" بمسيرة المشاعل التي يحيي فيها
أبناء ترشيحا ذكرى سقوطها في 28\10\1948، وحين
شرحت لجدي عن الذكرى والمسيرة، قال لي وهو المجاهد
والقائد لمعارك عام النكبة، قال لي: يا جدي ترشيحا
ما سقطت بمعركة، ما قدروا، فنزلو علينا بالطيارات
والقنابل، وصار اللي صار بالبلد وناسها وبفاطمة.
|