|
سليم البيك
أعلنت لها مرة
وبلا مقدمات:
- منى.. ما عدت عاشق فاشل، معك عرفت إني
أحلى عاشق .
أصبحنا عاشقين
وأعلنا ذلك لبعضينا في غضون ثلاثة أسابيع، المسألة
عندي أبعد بكثير من محض هذه الأسابيع الثلاثة،
وأعمق من مجرد عشق متجول اختارها بيتا دائما يختتم
فيه رحلاته.
أتت على كومة
من العشق، استغرقني تجميعها عابرات سبيل وسرير،
نفضتْ ما تعلق فيّ من وبر أنوثتهن: أصواتهن، حدقات
عيونهن، شفاههن السفلى، أطراف نهودهن، والشحمة في
أذني كل منهن.. نفضَتها على الكومة.
وأنا، قبل
حلولها، كنت استخرجتُ منهن وحفظت ونفضت الكثير
منهن وتفاصيلهن وأسباب أنوثتهن، وصرت أرتب وأرمم
وأجدد جوانب هذه الكومة كل صباح، أنفض ما التصق
عليها من غبار، أغسلها بالماء البارد أحيانا،
وأجلس أتأملها:
- كبرت؟ صار بدها شوية فشل حتى
تصغر..بتصغر وبتليق فيّ؟ بس.. عمتكبر مع كل بنت
عمتمرق.
***
أتت منى على
الكومة كقطرة ماء طفح بها الكأس بكل ما فيه.
كنت حذرا معها
منذ الشهقة الأولى، كانت من اليوم الأول تنفث السم
بهدوء، بخبث أنثى لا تُهزم، وأنا لا أصرح بشيء،
أترقب أجلي فقط. أخاف على كومة إذا انهارت على
جدران قلبي ملأ غبارها مجاري الدم والروح فيّ.
ذهبنا ذات مساء
إلى حديقة ينساها أهلها كل مرة يحمرّ فيها أفق
السماء تمهيدا لعتمة تنسدل بهدوء على أوراق
أشجارها ورطوبة أعشابها.
كنا في خطواتنا
الأولى لاكتشاف أحدنا الآخر، لتعرية أرواحنا
وتسليمها، لم أشعر حينها بهزيمة تحملني لتسليم
نفسي إليها، كنت أتأرجح بين القلق منها، والقلق من
حب قد يبطش بالكومة فتنهار على رأسي وتتبعثر كل
تفاصيلها أرضا.
- تعال.. قرّب، لا تخليني أتمرجح لحالي.
قالتها بنبرة
عالية وكأنها تنادني، وأنا القريب منها، أمامها
أتأمل وجهها وصوتها الممزوجين بفكرة راودتني
حينها:
- بحسدك ع هالشعور، لهالدرجة بتحبيني؟
قديش حلو إنك عمتتمرجحي وقدامك حدا، مين ما كان،
حدا بتحبيه لدرجة إنك تحكيلو ’تعا اتمرجح معي‘
بحديقة منعزلة، بالليل.
***
صار أن ذهبنا
مرة إلى ذات الحديقة عصرا، لم ننزل من السيارة،
ابتعدنا عنها فورا وقلت:
- مش حلوة الحديقة هلأ، هالحديقة بالنهار
للناس كلهن، وبالليل إلي وإلك بس.
الحديقة
الليلاء لكلينا فقط. وكأنها لهذا وجدت، كي تمسكي
كفي وترفعي يدي لتضعيها على كتفك، وتلفي يديك
الاثنتين حول جذعي، وتتوحد خطانا، أذكّرك حينها
بأننا في مكان عام، فتقولين:
- لأ، هاي حديقتنا، وسكّرت كل بوابها
وشبابيكها.
وهمستي في
أذني:
- وقلت للقمر ينسحب شوي شوي.
في أيام لاحقة
من تلك الأسابيع الثلاثة، تسابقنا غير مرة على
الأرجوحة، من يضحك أكثر ومن يعلي أكثر ومن يسرع
أكثر ومن يرمي بحذائه لمسافة أبعد، ويصرخ أكثر.
في يوم ما من
الشهر التالي، ولسبب ما، صرت أذهب وحيدا، أتأرجح
وحيدا، صامتا، لا أعلي ولا أسرع، تتحرك الأرجوحة
فقط كبندول ساعة لا تعرف الملل، ولا حتى الأمل
بأسابيع ثلاثة قد تجيء.
ذات ليل، وبعد
انقطاعها، اتصلت بي:
- وينك؟
- بالحديقة..
- حديقتنا؟
- لأ.. حديقتي.
|