|
سليم البيك
ذات صباح صيفي, نزل غسان من بيته إلى سيارته,
يدير المحرك, فتنفجر عبوة مزروعة في سيارة سمير
فور تدوير المحرك في صباح صيفي آخر. كان كلاً من
غسان و سمير ذاهباً إلى صحيفته ليكتب مقالاً عن
الحرية و ينتقد النظام الاجتماعي و الثقافي و
السياسي القائم, أو ليتم صفحات من كتاب يُتم قبل
الأوان.
كان كل منهما يمشي ممتشقاً حلمه بيد و قلمه
باليد الأخرى, يحلم بحرية من كل أشكال السيطرة, و
العسكرية خاصة, على المجتمعات, أكان العسكر من
الخارج أم الداخل.
حلمهم هذا أرق خفافيش المجتمعات و منعهم ليس
من الحلم بل من النوم أصلاً, و أكثر من ذلك,
عراهم, و هم من تعود العيش في الظلام, و كشفهم على
شمس حرقتهم أو كادت, لو لا أنهم تداركوا فاغتالوا
الحلم و القلم. اغتالوا بجبن, و خلّدوا المشروع و
الفكرة بغباء.
كانوا, و ما زالوا طبعاً, قصار النظر بحصرهم
لفكرة غسان و سمير في أشخاصهم, ظنوا بأن قطع الحبر
عن القلم, بل اغتيال القلم ذاته يودي بالفكرة. و
لكن تجربة 34 سنة من اغتيال غسان كنفاني, أثبتت
غباءهم, كما ستستمر في إثبات ذلك و كما سيثبت
اغتيال سمير قصير ذلك.
تعجز المخابرات بأنواعها و فصائلها- البرية و
المدجنة- لا أقول عن الانتصار على القلم الحر, بل
حتى عن المواجهة, فإما أن يُترك القلم ليتنقل
بحرية على الورقة البيضاء و ينتقد بشكل سلمي
ديمقراطي فيُفضحوا, و إما أن تُكسر ريشته باغتيال
صاحب القلم فيُفضحوا, و إما ما بينهما من كر و فر
و اعتقال و تحقيق و محاكم عسكرية أو أمن قومية و
غيرها فيُفضحوا, و في كل الحالات تكون الغلبة
للقلم الحر و الغباء يُترك لهم.
فإن تذاكت أو تغابت المخابرات الإسرائيلية, في
حالة غسان, و مهما كانت, في حالة سمير, فهي في
النهاية غبية, لمجرة محاولة مواجهة القلم بالسيف و
الكلمة بعبوة.
اغتيل غسان و سمير و هم في بداية عطائهم
الاستثنائي, و هذا ما جعل الحبر يغص في قلمي إلى
أن بكى, خسرنا و خسر المشروع الوطني الديمقراطي و
خسر الأدب و الفكر و الصحافة العربية بخسارتهما
باكراً جداً.
لكني, و أنا أذرف هذه الكلمات, أصر على أن
اغتيالهم كان تصرفاً غبياً, و مهما كانوا فاعلين
في قمع غسان و سمير, فهم أغبياء.
و التباين يكون فقط في نسبة الغباء.
|