"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

موافَقة غير موفّقة، ولا موافَق عليها

 

 

سليم البيك

 

     لن أكون مغاليا في انتمائي القومي لو أني فكرت بأن أحصل على الموافقة الأمنية – العسكرية والسياسية- من حزب البعث العربي الاشتراكي على كتابة هذا المقال، ومجرد التفكير بهذه الموافقة يحضر الاطمئنان إلى نفسي بأني، في وعيي ولاوعيي وفي مرحلة المابين، أمتلك ولو الحد الأدنى من انتمائي القومي العربي والحمدلله.

    أما وقد سكن الاطمئنان نفسي، فيمكنني أن أبوح بما يسر فيّ، والله عليم بذات الصدور..

    لم أنتمِ لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا- اعفوني بداية من كتابة "العربي الاشتراكي" في الأسطر اللاحقة، وأرجو راجيا مرجووين بأن تكونوا متأكدين بأني كلما كتبت "البعث" فإني أعني بإصرار "البعث العربي الاشتراكي"- لم أنتمِ له ولا لمنظمة الصاعقة وهي الفصيل الفلسطيني في حزب البعث، وأصلا ما حبيتهن. ولكني أصر على عروبتي، الحذرة طبعا، برغم افتقاري لصك الغفران البعثي. أصر على حقي في انتمائي إلى قوميتي، بحذر طبعا، بدون أن أكون حزبيا، أو حتى نصيرا..

    عفوا، لغير العارفين بالمسلّمات في سوريا، فإن كلمة "حزبي" تعني مسبقا "بعثي" لأن الوعي الجمعي في سوريا، الوعي الذي تُعب على بنائه في دروس القومية الاشتراكية، لا يتقبل أن يكون الإنسان "شيوعيا" أو "ناصريا" أو "إسلاميا"، فيكفي أن تقول بأنك "حزبيا" لتُعرف بانتمائك العرمري لأمتك العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة ولحزبها البعثي الطليعي العربي الإشتراكي الموحّد، وصلّواااا على محمد، وآل محمد.

    في اليوم الأول من التدريب الجامعي، وهو تدريب عسكري يخضع له طلاب الجامعات، أُمرت بأن أملأ استمارة دخول أو شيئا من هذا القبيل، تركت خانة "حزبي:" فارغة، قلت في نفسي بأني لست "حزبيا" ولأتجنب شرور ذاك الصباح بعدم كتابة "لا". سلّمت الاستمارة وأعتقد بأن خانة "حزبي:" كانت أول ما نظر إليه رفيقنا هناك، فسألني: ألست حزبيا؟؟!! لا أخفي عليكم، خفت أن أجيب، فرأف بي رفيقنا وفهم من صمتي فكتب "نصيرا"، أي مناصرا للحزب، فأي مخلوق هناك يتخرّج من مدارس الدولة حزبيا، وفي أسوأ الأحوال.. نصيرا، وما النصر إلا من عند الله.

    نرجع لموضوع الموافقة، خلال أيام الانتفاضة الأخيرة، كثرت الاعتصامات والمسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية في كل أرجاء المعمورة. وحاولنا جاهدين في الجامعة كاتحاد عام لطلبة فلسطين، القيام بما مُكّنا به من أنشطة تقربنا ولو قليلا من شعور بأننا فلسطينيين منتمين إلى أهلنا في الضفة وغزة. لم يكن سهلا علينا التحرك بلا موافقات أمنية من شعبة الجامعة في حزب البعث، مع العلم بأن رئيس الاتحاد كان من الصاعقة، وهذه تركيبة ثابتة وما دونها متغيّر، أن يكون من الصاعقة هو ونائبه، وباقي كراسي إدارة الاتحاد توزع صدقة على الفصائل الفلسطينية.

    أذكر مرة في المخيم، بُعيد ضرب العراق، بأن توجه ممثلو الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية إلى ممثل الصاعقة، طالبين منه تأمين موافقة للقيام بمهرجان رمزي تضامني مع سوريا في وجه التهديدات الأمريكية على البلد، وجاءهم الرسول بالخبر اليقين وهو عدم الموافقة: أن لا تتضامنو معنا الآن، مش وقتها..!

    تجرأ البعض وهمس في الآذان بأن السبب قد يكمن في أن عدوى المهرجانات والاعتصامات والمسيرات قد تنتقل إلى إخواننا السوريين.. وإن كنا كفلسطينيين وسوريين، بعثيين ومناصرين ولا بعثيين ولا مناصرين، في صف واحد دفاعا عن كل سوريا.

    وهذا ما حصل معنا في الجامعة، رُفض أكثر من طلب موافقة على القيام بنشاط ما، ورُدّ خائبا، مطروق الجبين لاعناً سلسفيل الذي طرقنا لأننا أرسلناه. سألت رئيس الاتحاد عن السبب – وكنت حينها المسؤول الثقافي بعيد الشر- فأجاب بصراحة جعلتني أحترمه لحظتذاك، بأنهم، أي الشباب الطيبة، أخبروه بأنه علينا أن نقلل من أنشطتنا كي لا يصاب الطلاب السوريين بالعدوى..

    عدوى الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات...لا، ليس المظاهرات.

    سألت مرة صديقة من فلسطين: مظاهرتكم اليوم؟؟ فقالت: ليست مظاهرة، هي مسيرة بالشموع..

    وأحسست وقتها بنوع من التخلف السوسيولوجي، والسوسيوبوليتيكي إن أردتم. فوقتها ولأول مرة عرفت الفرق بين المظاهرة والمسيرة، ووعيت أيضا لسبب عدم التلفظ بكلمة "مظاهرة" في سوريا بالمرة، واستخدام كلمة "مسيرة" في كل مرة نمشي فيها منظمين جدا رافعين قبضاتنا اليمنى، وأذرعنا اليسرى مخشّبة إلى أفخاذنا المشدودة كأردافها، ملصِقين غضب الأمة على وجوهنا، عاقدين حواجبنا والعزم على لعن إسرائيل مرة أخرى، وأخو أخته من يتلفّظ بكلمة خارجة عن سياق النص.

    ما مقالي هذا إلا خوفا على بلد عشقته وأعشقه وسأتشبث بعشقي له، وإن بدون بطاقة حزبية، وهو ليس نقدا بل نقدا ذاتيا، وبه أقول: "مع سوريا"، البلد، الناس، الحضارة، العروبة.. المقاوَمة، ولنترك الـ "وحدة، حرية، اشتراكية" على جنب.

    ولأني استقطبت نفسي عن سبق إصرار وترصّد حذرين- إلى أن تنفرج-  مع سوريا، كتبت هذا المقال.

    أخاف أن يصير حالنا كحال ذاك "المحشّش" الذي كان واقفا مرة أمام بيته، فتقدم نحوه الشرطي وسأله: أنت من أهل البيت؟

    فقال: لا.. أنا من كفّار قريش.

    وأخيرا، لا أعتذر من أي قارئ سبب مقالي اختلالا في شعوره القومي!

    والله ولي التوفيق..