"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

صلاة ما بعد شجر اللوز

 

 

سليم البيك

 

    حملتُ الكتاب إليها حيث كانت جالسة، تلف ساقا على ساق وراحة يدها على خدها وعينيها تشفّ بأشعة الشمس المبعثرة على ملامح وجهها وخصلات شعرها. خشيت أن أقطع عنها صلاتها، عن الشمس أقصد. صلاة الشمس التي اتخذت لنفسها صلاةَ زهر عبّادها. عبّاد الشمس ييمّم وجهه شطر الشمس والشمسُ شطر تَينك العينين. خشيت أن أرتكب خطيئة بتوتر قد أسببه لتلك السلسلة من الصلوات وذاك النقاء والسكون الصوفي المرتسم على وجهها، ولكني قررت أن أحمل وزر الخطيئة إن قادتني إلى الحديث معها، وأن ألحقها بسلسلة من الخطايا، عن شجر اللوز وزهره.

***

    ثلاثة أسطر لنيكوس كزانتزاكس، قلت في نفسي وجدت من تقرأ الأسطر ولا تُؤخذ بجمالها. لم تتعود هي أن تعترف بجمال ما، ولكنها كانت تعرف وتعي تماما عبثية المحاولات في التملص من الاعتراف بتألق جمالها كلما تحضُر، لكل من يحدث له أن يراها.

 

- خدي.. اقري هالسطرين.

 

    وتابعتُ بقايا الصلاة على وجهها وملامحه المنتقاة بعناية لتسمو مع جمال بقيتها. قرأتْ:

 

- قلت لشجرة اللوز:

حدثيني عن الله يا أخت..

فأزهرت شجرة اللوز.

 

    لم أر جمال الأسطر منعكسا على وجهها، ربما انعكس ولكن وهجه لم يرتق لذاك المرشوش من تلك الملامح الملائكية إلى كل ما يحيط، وفي زحمة ما يحيط أجدني منتظرا، دوري ربما.

    نظرتْ إليّ وقالت وكأنها تكمل حديثا عن أنواع الزهور:

 

- يا الله ما أحلى زهرة اللوز.. والشجرة بتجنن.

 

    حاولتُ بوجودها أمامي أن أحافظ على حد أدنى من الحس الجمالي للأشياء، أن لا أقارن سطرا أو زهرة بها، أو أنين وتر عود يرتعش، بصوتها. ولكني، كما اختلفتْ جمالية الأسطر في حضورها عنها في غيابها، ما كان لاعترافها الأنيق بجمال زهرة اللوز ذاك السحر علي، ربما أتى السحر من الصوت الذي حمل تلك الزهرة إلي، ربما كان من الشفاه المكتنزة بنتف زهر اللوز الذي خجلت صورته أن تدخل ذهني حين ارتأى مجسدا على شفاهها، وظلت صوره وصور كل الزهور واقفة على مدخل ذهني تنتظر أن تعود للمساحة المخصصة للزهور هناك.

    أكلمها عن سطر في شجرة اللوز وزهرتها، وتحكي لي عن الشجرة والزهرة ذاتها، خشيت أن أرتقي بكلامي من الأسطر إلى الشحرة ذاتها، لأحدثها عن زهرة اللوز فتحكي لي هي عن ذاتها، لأرجع فأحكي عن الله في السطرين، فتكمل هي وتحكي عن ذاتها، فتَسكنني بلاغة الصمت. أو أنها قد لا تنبس بكلمة عندها، فتزهر شجرة اللوز في صمتينا، وكأنها تحدثنا عن الله وعنها، وكأني سَلبتُ من الشمس صَلاتها.

 

- حلوة شجرة اللوز.. بس ما شتفتها غير بالصور.

- بلدنا مليانة منها

- المرة الجاي بس تنزلي ع فلسطين جبيلي شجرة

- وردة..

- بستان.

- وردة.

- انت..

- ...

 

    يكفيني أنا من زهر اللوز حضورها، ففي عينيها يعلن شجر اللوز خلود الربيع. وليعوض بلدنا غيابها ببساتينه الموسمية، إلى أن تذهب مرة أخرى إلى فلسطين، وليكن كما دائما، في غير الربيع، رفقة بأشجار اللوز، كي لا يأجل زهرها موعد التفتح إلى الربيع القادم.

***

    أعطتني الكتاب واتخذتْ وضعية المعبود مرة أخرى، ونظرتُ أنا إلى الصفحة.

    أزهرت شجرة اللوز حين سألها نيكوس أن تحدثه عن الله، وأزهرت الصفحة البيضاء، إلا من ثلاثة أسطر تختم فصلا من الكتاب، بأبيض وأحمر وأخضر شجر اللوز، حين هي قرأَتها.

    حاولتُ النظر إليها ثانية، لم أستطع، فأغلقتُ الكتاب برفق على زهوره.

    لم يكن هذا الفصل الأخير منه، ولكني أردت له يكون، رأفة بمؤلفه.