"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

مهرجان القدس.. موسيقى لأجل الحرية، والحياة

 

 

سليم البيك 

 

    أن تكون مدينة القدس هي الحاضنة لأحد أهم المهرجانات الفنية/الثقافية العربية، القدس، المدينة التي أَسكن فيها الاحتلال الإسرائيلي كل أسباب القلق لأي مشروع فني ثقافي فلسطيني قد يقام فيها، أن تكون رغم عمليات التهويد والاستيطان فيها، والترانسفير المستمر لأهلها منها، والقبضة الأمنية الإسرائيلية عليها، أن تكون الموقع الثابت والدائم لمؤسسة ثقافية فلسطينية هي "يبوس" ولمهرجانها الفني السنوي وقريبا لمركزها الثقافي، فهذا ما يحفّز الفكرة أكثر في رأسي: أنْ أينما وجد فلسطينيٌّ، فإن موسيقى وغناء خاصين سوف يُسمعا، فكيف لو كان الحديث عن العاصمة الفلسطينية، ولكنها ليست كأي عاصمة، فأي موسيقى وأي غناء سيُسمعا من القدس برغم ما تغصّ به من قبعات مستوطنين وعصي شرطة ورصاص جيش، حي؟ أي موسيقى وأي غناء سيُسمعا في مهرجان يستقطب فلسطينيين وافدين من كل بقاع الوطن الشتات، ومؤمنين بقضيتهم يفدون معهم، حاملين جميعا موسيقاهم في حقائبهم على أكتافهم، ليحجوا إلى عاصمتهم، يعزفون آلامها وآمالهم؟

    يبوس هو الاسم الأول للقدس، وينسب لليبوسيين، إحدى القبائل الكنعانية التي بنت أول مدينة على موقع القدس الحالي قبل 5000 عاما. فاسم المؤسسة يدل على الانتماء التاريخي الحضاري للقائمين عليها، وهم أهل الأرض، إلى المدينة، وهو ما يتم ترسيخه سنويا في مهرجانها الفني الذي يحييه أهلها ومن معهم.

***

    تقيم مؤسسة يبوس للإنتاج الفني في القدس من 23 حتى 31 من الشهر الجاري مهرجان القدس السنوي بمشاركة فلسطينية وعالمية في الموسيقى والغناء والرقص، وللمهرجان دوره الفاعل في إحياء الثقافة والفن الفلسطينيين والتأكيد على فلسطينية المدينة، كما عروبتها وعالميتها، في محاولات يومية لحفظها- هوية وثقافة وفنا وتاريخا- من عمليات التهويد والحصار التي يقوم بها الاحتلال. عن المؤسسة ومهرجانها كان لنا في القدس العربي هذا الحوار مع مديرة المؤسسة السيدة رانيا الياس خوري:

 

ما خصوصية عمل "يبوس" كمؤسسة ثقافية فلسطينية مقدسية، وميدنة القدس هي ذات الخصوصية العالية لنا كفلسطينيين وللعالم أجمع؟

رانيا: للقدس خصوصية لنا من ناحيتين، دينية وسياسية، وهذا ما يجعل من كون انطلاق يبوس من هذه المدينة ووجودها الدائم فيها فعل خاص. فالعمل تحت وطأة الاحتلال بكل المجالات هو ظرف غير عادي، وخاصة عند الحديث عن الثقافة ودورها في المجتمع، نحن نحكي هنا عن ثقافة تواجه احتلالا واستيطانا وتهويدا منذ 60 عاما. وذلك يشكل تحدّ ليبوس كونها تختص في مجال الفن والثقافة وهو ما يحاول الاحتلال الغاءه كما كل ما يحاول النجاة بـ"فلسطينية" الثقافة والفن في المدينة. فتركيزنا على الثقافة هو بحد ذاته خصوصية في هذه المدينة.

 

ما هو دور المهرجان في إعادة الدور المركزي للمدينة في الحياة الثقافية الفلسطينية؟

رانيا: بعد أوسلو زاد عدد الحواجز حول القدس وبوجود الجدار، زادت عزلة المدينة عن باقي مدن الضفة وغزة والأراضي المحتلة عام 48. مهرجان القدس هو الوحيد الذي ينظم في المدينة، وهذا يعيد النور للمدينة، فمن خلال المهرجان نحاول استنهاض كل الموارد الثقافية في القدس وتنشيطها لخلق جو فني وثقافي يليق بعاصمتنا، والمهرجان يحرّك القطاعات الأخرى للنهوض بالمدينة على كافة الأصعدة. كما أننا نحاول استنهاض وعي الناس هنا وتشجيعهم للتفاعل في المهرجان والأنشطة الثقافية للمؤسسة كونها من الأوجه الثقافية التي تحفظ للمدينة هويتها الفلسطينية وتعيد لها دورها المركزي على الساحة الثقافية الفلسطينية داخل الوطن وفي المخيمات والشتات، خاصة وأن القدس ستكون عاصمة الثقافة العربية لعام 2009.

 

وما الجديد الذي يحمله المهرجان هذه السنة؟

رانيا: يأتي المهرجان هذه السنة في الذكرى الـ 60 للنكبة، وسنساهم في إحياء هذه الذكرى ونذكر العالم بالإلتزام الوطني والإنساني والأخلاقي لقضيتنا الفلسطينية. في هذه السنة سنعمل تحت شعار (الموسيقى العربية) كبيان صريح منا على أن الموسيقى العربية هي من عميق تراث المدينة وتاريخها وحاضرها. لدينا هذه السنة 9 فرق، 7 منها فلسطينية.

 

حدثينا عن الأسماء المشاركة، فرق وفنانين.

رانيا: ثلاثي سيمون شاهين الموسيقي وضيوفه وهي فرقة فلسطينية أتت من الولايات المتحدة وستقدم عملها الجديد لأول مرة، ريم بنا ويرافقها عازفون من اسبانيا، فرقة تراب من الضفة الغربية، تيسير مصرية ومجموعة مرام للموسيقى الشرقية وهي مجموعة ايطاليّه بمشاركة مغني وعازف عود فلسطيني، أوركسترا فلسطين للشباب  بمشاركة أوركسترا جامعة بون من ألمانيا المكونة من 83 موسيقيا حيث سينشدون أغان خاصة عن القدس، فرقة ولّعت من عكا، فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، كما أن هنالك مشاركة خاصة للفنان اليوناني لاكيس خاليكاس المعروف بمواقفه المناصرة لقضيتنا وقد ترجم خاليكاس العديد من أشعار درويش والقاسم، كما أن هنالك أسماء أخرى مشاركة.

 

ما الصعوبات التي تواجهونها سنويا في إقامة المهرجان؟

رانيا: نحن في سجن، عدا عن الحواجز والجدار، فنحن محرومين من سماع فنانين عرب كفيروز ومارسيل خليفة وأحمد قعبور وتوفيق فروخ وماجده الرومي في حفلات نحييها في القدس، هم لا يستطيعون القدوم إلينا، وكذلك يعاني الفنانين الأجانب في الحصول على تأشيرة الدخول إلى القدس، وقد ألغيت لذلك أكثر من أمسية، وهذا ما حصل في احدى الدورات مع مروان عبادو، فبرغم كل الجهود التي تم بذلها من قبل المؤسسة وأصدقائنا من المؤسسات الدولية، ألغيت أمسية لفرفة مسك وعنبر، وهي فرقة فلسطينية-نمساوية، وذلك لأن سلطات الاحتلال منعت المغني الرئيسي فيها وعازف العود مروان من الدخول للأراضي الفلسطينية.

 

ماذا تخبرينا عن مركز يبوس الثقافي الذي تنوون افتتاحه في ربيع العام القادم؟

رانيا: ليس هنالك مركزا ثقافيا فلسطينيا في القدس كلها، لا قاعة مجهّزة ولا سينما، وهذا ما فرضه الاحتلال على المدينة. يأتي المركز لاحتضان كل النشاطات الثقافية والفنية في المدينة ولمختلف المؤسسات الفلسطينية. تم استأجار موقع السينما القديمة التي أغلقت منذ انتفاضة عام 87 وسنفتتح المركز في أيار القادم. سيحتوي على قاعات عروض مزودة بكافة التجهيزات الصوتية، وقاعة سينما وقاعة صغيرة لعروض السولو، ومطعم ومقهى.. وسنعمل على خلق حياة اجتماعية ثقافية للمدينة ونمد الناس بالأمل للصمود في وجه عمليات التهويد والحصار بكل أنواعه بما فيه الثقافي.

 

كيف تؤثر عمليات التهويد التي يقوم بها الاحتلال على يبوس كمؤسسة ثقافية فلسطينية، وعلى مهرجانها؟

رانيا: التهويد قائم للحجر والبشر، ولا يوجد ما يمكن أن يحاسب الاحتلال، فهم فوق القانون وليس هنالك من يقدر على إيقافهم. ولذلك تأثيره على حياتنا اليومية بكل تفاصيلها، الخوف الأساسي هو من تهويد الإنسان وهو من بقي صامدا في عزلة عن محيطه العربي. الثقافة هي آخر أولوياتنا في هذه المنطقة، فالناس في عملية تصادم يومية مع الاحتلال في أمورهم الحياتية والهوية الوطنية والإنسانية. فالصراع كما أن الثقافة هي أحدى أوجهه، هنالك أوجه عديدة له، علينا أن نخوضها جميعها للحفاظ على هوية القدس وانتمائها وثقافتها وفنها. وهذا الاحتلال لن يمنعنا من الغناء والرقص والفرح في مدينتنا.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

موقع مؤسسة يبوس ويحوي رابطا عن مهرجان القدس: www.yabous.org 

 

 

القدس تدافع عن هويّتها العربيّة

المهرجان الذي تستضيفه عاصمة فلسطين الأبديّة، يتزامن مع الذكرى الستين للنكبة. سيمون شاهين وريم بنّا وفرقة «تراب» وعائشة رضوان وآخرون، على برنامج التظاهرة التي تنظّمها مؤسسة «يبوس» تحت شعار «الموسيقى العربية»

سليم البيك


على رغم عمليات التهويد والقبضة الأمنية الإسرائيلية المحكمة عليها، ما زالت القدس حاضنة لواحد من أهم المهرجانات العربية... تلك المدينة التي تشهد «الترانسفير» المستمر لأهلها، تحتضن جمعيات ومؤسسات ناشطة دفاعاً عن الثقافةالعربيّة. «يبوس» إحدى هذه المؤسسات الثقافيّة الفلسطينيّة التي تواظب على مهرجانها الفني السنوي.. «مهرجان القدس» الذي تنظّمه «يبوس» أصبح تقليداً ثقافياً للمدينة منذ 1996. يقام في تموز (يوليو) من كل سنة في «قبور السلاطين» في شارع صلاح الدين. في دوراته السابقة، استضاف المهرجان نخبة من نجوم الموسيقى العالمية كعازف الكمان نيجل كنيدي وعازف الغيتار كلود بارثليمي من فرنسا...
«للقدس خصوصية كعاصمة دولتنا المستقبلية، كما لها خصوصية عالمية سياسية ودينية»، تقول مديرة «يبوس» رانيا الياس خوري التي تؤكّد على أهميّة التحدّي: «مواجهة سياسات الطمس الإسرائيلية لكل ما هو فلسطيني. مهرجاننا تحدّ للاحتلال، واستمراريته تساهم في حفظ الثقافة الفلسطينية في المدينة».
ويصرّ المهرجان على التواصل مع الفنانين الفلسطينيين والعرب وغيرهم. تقول خوري إنّ السجن الذي وُضعت فيه المدينة لا يقتصر على الحواجز والجدار، بل إنّ أهلها «محرومون من سماع فنانين عرب كمارسيل خليفة وفيروز وتوفيق فرّوخ وغيرهم في حفلات حية، فهم لا يستطيعون القدوم إلى القدس». كما إنّ تأشيرات الدخول تُحجب عن الكثير من الفنانين. هذا ما حصل مع الموسيقي الفلسطيني مروان عبادو في مهرجان القدس عام 2003 حين ألغيت أمسية فرقته «مسك وعنبر» بعدما منعت سلطات الاحتلال عبادو من الدخول.
هذه السنة، يقام المهرجان تحت شعار «الموسيقى العربية»، ويأتي في الذكرى الستين للنكبة، التي «نسهم في إحيائها بتذكير العالم بثقتنا وبالالتزام الأخلاقي بقضيتنا، ونعيد التأكيد على رسالتنا بأنّنا شعب يحب الحياة» وفق ما تقول خوري.
المهرجان الذي يقام من 23 حتى 30 الشهر الجاري سيحمل إلى جمهوره أسماء فلسطينية لمعت عالمياً في مجال الموسيقى، يفتتحه ثلاثي سيمون شاهين وضيوفه، وهم فرقة فلسطينية أتت من الولايات المتحدة وستقدّم عملها الجديد لأول مرة. كذلك، ستقدّم ريم بنّا أمسيةً في 26 الجاري، يرافقها عازفون من إسبانيا، وفرقة «تراب» (24 الجاري) من الضفة الغربية، تيسير مصرية ومجموعة «مرام» للموسيقى الشرقية (25 الجاري) وهي مجموعة فلسطينية أتت من إيطاليا، «أوركسترا فلسطين للشباب» (27 الجاري) بمشاركة «أوركسترا جامعة بون» من ألمانيا المكونة من 83 موسيقياً حيث سينشدون أغاني خاصة عن القدس، وفرقة «ولّعت» (30/7) من عكا وعائشة رضوان من المغرب (29/7) التي تؤدي فن المقامات الشرقية ولاكيس شالكياس من اليونان (28/7) الذي يؤدي الأغنية الشعبية المحلية. وستتوزع العروض بين القدس ورام الله وبيت لحم وغزة.
لا يمكن حصر أهمية المهرجان في كونه مهرجاناً مقدسياً عالمياً، يناضل لإثبات الهوية والثقافة العربية للمدينة. إذ إنّ للمهرجان وإدارته خطاً واضحاً في الالتزام بالفن البديل وموسيقى الشعوب والابتعاد عن كل ما هو تجاري يُخضع الموسيقى لشروط السوق، وخاصة أنّ هذا «المهرجان الوحيد الذي ينظّم للقدس، ونحن منهمكون في ورشة عمل متواصلة على مدار العام لإعادة النور إلى هذه المدينة، عبر المهرجان السنوي وأنشطة المؤسسة إجمالاً وقريباً جداً عبر مركز يبوس الثقافي الذي سنفتتحه في أيار (مايو) 2009. وسيكون المركز الثقافي الفلسطيني الأول الذي يفتتح في القدس». تختم خوري حديثها بالتأكيد على أنّ «الثقافة عندنا قوة معنوية وأسلوب نضال وحياة، فنحن نحب الحياة والرقص والغناء والموسيقى والفرح والحرية، والاحتلال لن يمنعنا من الحياة التي نحبّ».