|
سليم البيك
قبل أن أسرح
بمقالي، أجدني متحمّسا للإشارة بأن آلة الساكسفون
هي بالعربي "سَكس" أو "سَكسيّة"، حسب معجم المنجد.
ولكني، وحرصا على عدم إثارة النعرات، ارتأيت أن
أستخدم الاسم الأجنبي للآلة، تجنّبا لـ "صفنة" قد
تلفح وجه القارئ كلما ذكرتُ الاسم العربي لها.
وصلني عبر
البريد منذ يومين صندوقا صغيرا، فتحته لأجد ثلاثة
سيديات لموسيقى الجاز، فعرفت فورا بأنها الصديقة
الإنترنتّية الناشطة في مركز عدالة في نيويورك.
حاولت تشغيل السيديات في اللابتوب- ليس دفعة واحدة
طبعا، بل تباعا- بنيّة خالصة لسماعها، وكتصرف
طبيعي لآدميّ وصلته ألبومات موسيقية.
كنت قد تكلمت مع ميريين منذ فترة عن عدة أمور،
أدبية إجمالا، ولا أذكر كيف "تفشكلنا" في الموسيقى
وهِمنا في الجاز منها، لتُعلن عندها هي عن نيتها
ارسال سيديات "على ذوقها" إلى بريدي، فهي "جازيّة"
بامتياز حسب ما فهمتُ، وحسب ما تأكدتُ من صحّة
فهمي- كما دائما- ومن صحّة ذوقي حين أخبرتها بأني
أحببت الموسيقى التي أَرسلتْ، فطمأنتني بأن ذوقي
جيد في الجاز كوني أحببت موسيقى "على ذوقها"،
ففتُّ حينها في حالة من الرضى والسكون النفسي لهذه
النتيجة المقنعة، على المستوى الشخصي على الأقل.
تلقفت الصندوق
الكرتوني ومزقته، "منعجقا"، على بَكْرة أبيه لأحرر
السيديات، وبدأت بسماع أولها جهارا نهارا أمام
الملأ في غرفة التلفزيون حيث كانت العائلة الكريمة
مجتمعة في أحد أيام العطل بعد الغداء على فنجان
شاي مع المرميّة، وحديثٍ عما قد لا يهمني.
كأس الشاي
بالمرميّة إلى جانبي، وأنا مقتعدٌ إلى اللابتوب،
مبحلقٌ مفنجرٌ كرتَيّ من خلف نظارتي ومن جوف
جحريهما في جمجمتي المصون، كنت أقرأ قصة لرشاد أبو
شاور، من موقع "القدس العربي"؛ عن ذاك الكريتيّ
الغيور على نساء جزيرته الجميلات. كنت مأخوذا
بالجزيرة ونسائها أثناء قرائتي، خاصة وأنها تذكرني
بقرى الجليل كلما مر علي اسمها، وهنا أحضر رشاد
نساءً من الجليل إلى قصته عن كريت حين كتب عن
نسائها، الشيء الذي يستدعي بظّ العيون أثناء
قراءتها... لن أسرح كثيرا في تبرير البحلقة،
فلأحيد عن انحرافي السرديّ هذا إلى موضوعي وهو
الجاز، والساكسفون خصوصا وما يبعث عليه سماعه من
تجنيّات.
شغّلت في
اللابتوب، إذن، أحد السيديات وكان لجون كولترين
وهو يعزف الساكسفون، وعيناي تبظّ من جحريهما، أقرأ
من على الشاشة، ونعومة وطراوة صوت الساكسفون تنبعث
من سماعتَي اللابتوب وتتلوى في جو الغرفة كالأفعى،
وبدأت الميمعة والجعجعة تخفت رويدا رويدا كما في
مِحددة قَرُب وقت غداء عمالها فخفَتَ وقع ضربات
المطارق، وأنا شعرت فجأة كالقطة التي حكى لي عنها
جدي غير مرة: قطة الحداد التي تنام طوال النهار،
فإذا خفّ الطرق والخفق واختفى، استيقظت لتتناول
حصتها من الغداء الذي حان وقته. وتدريجيا ساد صوت
الساكسفون المذنب أجواء الغرفة، وتلاشت كل الأصوات
الأخرى. كقطة الحداد رفعتُ رأسي أستشعر مبرر هذا
الصمت، فارتطمت عيناي بعشرات الأزواج من الأعين
تمر عليّ وتكمل مرورها الفضائي في الغرفة، وهمهمة
وكركرة بدأت تطل برؤوسها.
في مساء ذات
اليوم، وشوشني عمي: سليم، المرة الجاي إذا فكرت
تحضر سِكْسْ، بتفوت عالغرفة وبتسكّر عحالك وبتوطّي
الصوت وبتلزّقش وجهك عالشاشة الله يرضى عليك.
|