ثورة 36-39 في
فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل |
|
النقاط
الثلاث
بين 1936-1939
تلقت الحركة الثورية الفلسطينية ضربة ساحقة في
النقاط الثلاث التي تبلورت منذ ذاك بصفتها المعضلة
الأساسية التي يواجهها شعب فلسطين: القيادات
المرجعية المحلية، والأنظمة العربية المحيطة
بفلسطين، والحلف الإمبريالي-الصهيوني، وسوف يترك
هذا "العدو" المثلث بصماته على تاريخ الحركة
الوطنية الفلسطينية منذ 1936 بصورة أوضح مما كانت
في أي وقت مضى، وحتى الهزيمة الثالثة التي تلحق
الجماهير الفلسطينية والعربية في 1967. وستحاول
هذه الدراسة أن تركز بصورة خاصة على هذه النقاط
الثلاث وعلى الجدلية المتضمنة في كل منها على حدة
والقائمة فيما بينها جميعاً.
إن عنف التجربة الوطنية الفلسطينية التي تفجرت منذ
1918 وكانت تترافق بصورة أو بأخرى مع الكفاح
المسلح، لم تستطع أن تعكس نفسها على البنية
الفوقية للحركة الوطنية، التي ظلت تحت هيمنة
القيادات شبه الإقطاعية- شبه الدينية، ويعود ذلك
بالدرجة الأولى إلى سببين متداخلين: أ- وجود
وفاعلية الحركة الصهيونية التي ضاعفت من ثقل
وهيمنة التحدي القومي على جميع أشكال التحديات
الأخرى، وعكس هذا التحدي نفسه على الطبقات الكادحة
العربية التي كانت تعاني من الغزو الصهيوني
المدعوم من الإمبريالية البريطانية معاناة يومية
مباشرة. ب- وجود حد من التناقض بين القيادات
العائلية الإقطاعية الدينية العربية وبين
الإمبريالية البريطانية، يجعل دفع الثورة إلى مدى
معين من مصلحة هذه الطبقات التي تجد عادة مصلحتها
في ظروف مغايرة مختلفة عن الاستثناء الفلسطيني
الخاص بالتحالف شبه الكامل مع الإمبريالية. وقد
نشأ ذلك الحد غير العادي من التناقض عن وجود "عميل
ملائم أكثر" للإمبريالية البريطانية هو الحركة
الصهيونية، جرى توظيفه بدل تلك الطبقات.
إن هاتين المسألتين المتشابكتين قد جعلتا لنضال
شعب فلسطين خصوصية لم تكن في ذلك الحين تشبه تلك
الخصائص التي كانت لنضالات الشعوب العربية المحيطة
بفلسطين، وقد أدت هذه الخصوصية إلى نتائج خطيرة،
منها مثلاً اندفاع هذا النوع من القيادات
الإقطاعية إلى ممارسة أو قبول ممارسة أرقى أشكال
النضال السياسي (الكفاح المسلح)، ومنها إصرار هذه
القيادات _ من حيث الشكل على الأقل _ على رفع
الشعارات التقدمية، وكونها _ رغم كل ما فعلت _
مثلت مرحلة من النضال الوطني الفلسطيني. على أن ما
هو أكثر أهمية هو تفسير تلك الاستطالة غير العادية
التي عاشتها القيادات الإقطاعية الدينية على رأس
حركة الجماهير (من 1918-1948)، ذلك أن التحول في
الهيكل الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين، والذي كان
يحدث بسرعة مذهلة، كان يصيب بالدرجة الأولى القطاع
اليهودي على حساب البورجوازية الفلسطينية المتوسطة
والصغيرة وخصوصاً على حساب الطبقة العاملة
العربية، إن تحول الاقتصاد من إقطاعي إلى رأسمالي
كان يجري بتمركز متزايد في يد الحركة الصهيونية
وبالتالي في يد المجتمع اليهودي في فلسطين.
وقد نتج عن ذلك ظاهرة لافتة للنظر: فأصوات
المهادنة العربية التي أخذت تظهر منذ الثلاثينات
وأوائل الأربعينات لم تكن أصوات أسياد الأرض
والفلاحين المتوسطين بصورة عامة، ولكنها كانت
أصوات كبار بورجوازيي المدن العرب الذين كانوا
مجرد وسطاء للإمبريالية والذين بدأت مصالحهم تتسلق
المصالح المتسعة للبورجوازية اليهودية الآخذة في
شق طرق التصنيع، خالقة في الوقت ذاته وكلاءها.
في غضون ذلك كانت البلاد العربية المحيطة بفلسطين
تلعب دورين متعاكسين، ففي حين كانت حركة الجماهير
العربية تدفع النفس الثوري للجماهير الفلسطينية
وتبني مع حركتها علاقة جدلية متبادلة التأثير،
كانت الأنظمة المهيمنة في هذه البلدان تبذل كل ما
في وسعها لكبح حركة الجماهير الفلسطينية وإجهاضها.
إن هذه الظاهرة مهمة للغاية ذلك أن طبيعة
التناقضات المركبة والحادة التي كانت تعيشها
الساحة الفلسطينية كان من شأنها أن تطور بصورة
متسارعة أشكال النضال التي كانت تعرفها الساحات
العربية الأخرى وترتقي بها إلى أشكال أكثر عنفاً،
وكان ذلك يشكل درجة أعلى من الاحتمالات الثورية في
البلاد العربية لم يكن بمقدور الطبقات الحاكمة
آنذاك أن لا تكترث به اكتراثاً شديداً، وكان هذا
الواقع يدفعها دائماً إلى الوقوف إلى جانب
الإمبريالية البريطانية ضد شركائها الطبقيين الذين
كانوا يقودون الحركة الوطنية الفلسطينية. ومن جهة
أخرى كان الحلف الصهيوني الإمبريالي يزداد متانة،
وقد تبلورت في تلك الفترة بالذات (1936-1939) ليس
فقط الطبيعة العسكرية العدوانية لمجتمع الغزو الذي
أرست الصهيونية جذوره في المجتمع اليهودي بفلسطين،
ولكن أيضاً الهيمنة شبه الكاملة على الهيكل التحتي
للاقتصاد الفلسطيني الذي سيكون له فيما بعد
تأثيرات جذرية على الصراع القائم. ففي تلك الفترة
قضت الصهيونية متحالفة مع الانتداب على كل آمال
نشوء أو تطور حركة عمالية يهودية تقدمية، وكذلك
على آمال أخوة بروليتارية عربية يهودية، فقد شجب
صوت الحزب الشيوعي الفلسطيني على طرفي الصدام،
وهيمن الهستدروت الرجعي كلياً على الحركة العمالية
اليهودية (التي كانت أصلاً مؤهلة للسقوط في شراكه)
فيما أخذ النفوذ الذي كان آخذاً بالتصاعد بالنسبة
للقوى التقدمية العربية في جمعيات العمال العرب في
حيفا ويافا بالتراجع، مفسحاً المجال لهيمنة
القيادات الرجعية التي كانت تحتكر العمل السياسي
آنذاك.
|
|
|
|
|
|