"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 الخلفيات:

العمال

 

لم تكن الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والإشكالات المنبثقة عنها، مسألة أخلاقية أو مسألة قومية صرف، بل كانت لها انعكاسات اقتصادية مباشرة ذات تأثير يومي متعاظم، ملموس بوضوح شديد، على الشعب العربي في فلسطين، وخصوصاً على صغار الفلاحين والفلاحين المتوسطين والعمال وقطاعات من البرجوازية الصغيرة والوسطى.
إن الانعكاسات الاقتصادية للهجرة اليهودية كانت حادة في حد ذاتها، ولكنها تضاعفت أيضاً بسبب النتائج القومية والدينية التي حملتها معها بالطبيعة. فبين عام 1933 و 1935 هاجر 150 ألف يهودي إلى فلسطين، وأصبح عدد اليهود في فلسطين 443.000 نسمة يمثلون 29.6 بالمائة من عدد السكان الإجمالي. وإذا أخذنا جانباً آخر من هذه الأرقام، كي ندرك معناها إدراكاً حقيقياً، فإنه ينبغي لنا أن نلاحظ بأنه بينما كان المعدل السنوي لعدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين بين عامي 1926- 1932 يبلغ 7201 يهودي في العام، أصبح هذا المعدل بين عامي 1933 – 1936 يبلغ 42.985 يهودياً في العام(1). إن العسف الهتلري هو الذي أدى إلى تصاعد الهجرة اليهودية في تلك الأعوام على وجه التحديد: في 1932 دخل فلسطين 9 آلاف يهودي ألماني وفي 1933دخلها30 ألف يهودي ألماني، وفي 1934 دخلها 40 ألفاً، وفي 1935 دخلها 61 ألفاً(2)، اتجه حوالي ثلاثة أرباعهم إلى المدن.
وإذا كانت الهتلرية هي المسؤولة عن إرهاب اليهود الألمان ودفعهم إلى الهرب، فإن الرأسمالية "الديمقراطية" هي التي كانت مسؤولة، جنباً إلى جنب مع الصهيونية، في توجيه جزء كبير نسبياً من هذه الهجرة إلى فلسطين، ونستطيع التحقق من ذلك من خلال الأرقام التالية: فالولايات المتحدة رفضت أن تقبل في بلادها، من أصل 2.562.000 يهودي هربوا من الاضطهاد النازي بين عامي 1935 و 1943 سوى 170 ألفاً (أي 6.6 بالمئة) وبريطانيا 50 ألفاً (أي 1.9 بالمئة) وتعين على فلسطين أن تستوعب 8.5 بالمئة، بينما وجد 1.930.000 من اليهود الألمان (أي 75.3 بالمئة ) ملجأ في الاتحاد السوفيتي(3). أن الهزة الاقتصادية التي تعنيها أرقام الهجرة اليهودية بالنسبة للمجتمع العربي في فلسطين، يمكن تبينها من خلال معرفة أن نسبة الرأسماليين اليهود من مجموع المهاجرين في عام 1933 كانت 11 بالمئة أي 3250 رأسمالياً يهوداً، و12 بالمئة في 1934 أي 5124 رأسمالياً و10 بالمئة في 1935 أي 6309 رأسماليين(4).
بين عامي 1932و1936 دخل فلسطين حسب الإحصاءات الرسمية 1380 يهودياً يملكون أكثر من ألف ليرة فلسطينية و17119 يهودياً يعتمدون عليهم، يقابلهم حوالي 130الف يهودي وصفوا رسمياً بأنهم قادمون للاستخدام أو معتمدون على هؤلاء القادمين أو على مهاجرين سبقوهم(5). إن ذلك يعني، بكلمات أخرى، أن الهجرة كانت، في الوقت الذي تحرص فيه على تأمين تمركز رأسمالي يهودي في فلسطين يهيمن على عملية تحول الاقتصاد "الفلسطيني" من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي، فإنها كانت تحرص أيضاً على تزويد هذا التحول ببروليتاريا يهودية، وكان لهذا السلوك، الذي أعطى نفسه شعار "اليد العاملة اليهودية فقط" نتائج خطيرة، إذ أنه ساق بسرعة لا مثيل لها نحو بروز الفاشية في مجتمع المستوطنين اليهود.
لقد نشأ عن ذلك، بالبداهة، تناقض تناحري بين البروليتاريا اليهودية والبروليتاريا العربية، وكذلك بين الفلاحين والمزارعين والعمال الزراعيين اليهود، ولكن هذا الصدام كان يرتفع أيضا إلى الطبقات الأعلى، إذ أن ملاكي الأرض المتوسطين والبرجوازية المدينية الوسطى العربية كانت تشعر بأن الرأسمال اليهودي آخذ في الهيمنة على مصالحها. ففي عام 1935 مثلاً كان اليهود يسيطرون على 872 مؤسسة صناعية في فلسطين من أصل 1212، يستخدمون فيها 13.678 أجيراً فيما كانت المؤسسات الصناعية العربية الـ340 تستخدم حوالي 4000 أجير فقط، وكان اليهود يوظفون في مؤسساتهم 4 ملايين و 391 ألف جنيه فلسطيني مقابل 704 آلاف جنيه يوظفها العرب، وينتجون بما قيمته 6 ملايين جنيه تقريباً مقابل مليون و545 ألف جنيه تنتجها المؤسسات العربية، وبالإضافة لذلك كان اليهود يسيطرون على 90 بالمئة من الامتيازات التي تمنحها حكومة الانتداب والتي تبلغ توظيفاتها 5ملايين و789 ألف جنيه وتستخدم 2619 أجيراً(6).
إن المعدل العام، للنسبة المئوية في زيادة أجور العمال اليهود على العمال العرب، حسب إحصاء رسمي جرى في أيلول 1937 قد بلغ 145بالمئة وفي بعض الأعمال كانت تبلغ 433بالمئة (بين النساء العربيات واليهوديات العاملات في النسيج) و233 بالمئة (الفرق بالأجور بين العاملات العربيات والعاملات اليهوديات في فرز التبغ) و84 بالمئة (بين العمال العرب والعمال اليهود في تنضيد الحروف) ..الخ(7). "إن الأجور الحقيقية للعامل العربي هبطت في أيلول 1937عشرة بالمئة بالمقابلة مع أجور1931 بينما ارتفعت الأجور الحقيقية للعامل اليهودي عشرة بالمئة"(8).
هذه الانعكاسات الاقتصادية لحركة الهجرة اليهودية أضحت أكثر خطورة حين بدا واضحاً أن الانتداب البريطاني قد سهل للرأسمال اليهودي ومكن له من السيطرة على الهيكل التحتي للاقتصاد الفلسطيني، بحيث بدا المستقبل-أيضاً-دون آمال تذكر(مشاريع الطرق، معادن البحر الميت، الكهرباء، الموانئ ..الخ). لقد أدت هذه الحقائق إلى انهيار شبه كلي في الاقتصاد العربي في فلسطين وتحمل العمال العرب العبء الأوفر منه، ويقول جورج منصور سكرتير جمعية العمال العرب في يافا، في شهادته أمام لجنة بيل الملكية أن 98 بالمئة من العمال العرب يعيشون "في حالة هي دون الوسط بكثير". ويقول أنه بناء على إحصاء تناول ألف عامل في يافا عام 1936تبين لجمعية العمال العرب أن 57 بالمئة من العمال العرب يبلغ دخلهم أقل من 2.750جنيه (المعدل الوسطي للحد الأدنى الذي تحتاجه العائلة 11 جنيهاً) وهناك 24 بالمئة دخلهم أقل من 4.250 جنيهات و12 بالمئة أقل من 6 جنيهات و4 بالمئة أقل من 10 جنيهات و1.5بالمئة أقل من 12 جنيهاً و0.5 بالمئة أقل من 15 جنيهاً(9).
وقد رفضت الحكومة البريطانية إعطاء إذن لتظاهرة قرر القيام بها ألف عامل عاطل عن العمل في يافا في 6/12/1935، وقالت مذكرة جمعية العمال العرب للحكومة أنه إذا لم تقم هذه الأخيرة بحل المشكلة "فإن الأيام المقبلة ستضطرها إلى إطعام العمال خبزاً أو رصاصاً"(10).كانت الثورة، عند ذاك، على الأبواب.
أن جورج منصور (الذي كان شيوعياً في السابق ويبدو أنه في ذلك الحين ترك الحزب نتيجة خفوت دوره) يقدم للجنة بيل أمثلة حسية مذهلة: فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل في يافا في أواخر 1935، 2270 عاملاً وعاملة، وهذا رقم كبير في مدينة كان عدد سكانها آنذاك 71 ألفاً(11). ويعدد منصور خمسة أسباب لهذه البطالة أربعة منها تتعلق بالهجرة اليهودية أساساً: 1-الهجرة 2-نزوح الفلاحين للمدن 3-طرد العمال العرب من الأعمال 4-سوء الحالة الاقتصادية 5-تحيز الحكومة الشنيع للعمال اليهود(12). وعلينا أن نلاحظ أنه في غضون ذلك زاد عمال الهستدروت في 9شهور فقط 41 ألف عامل، ويثبت ذلك مقال الأدون فروكمن في العدد 3460 من جريدة دافار، فقد جاء فيه أن عدد عمال الهستدروت بلغ في أواخر أيلول 1936: 150 ألف عامل بينما يقول تقرير الحكومة الرسمي لـ 1935 (ص117) أن عددهم كان في أواخر سنة 1935 فقط 74ألفاً(13).
كان ذلك يؤدي ليس فقط إلى طرد العمال العرب من المؤسسات أو المشاريع التي يهيمن عليها الرأسمالي اليهودي بل إلى صدامات دامية: ففي 4مستعمرات يهودية فقط, هي ملبس وديران ووادي حنين والخضيرة كان يعمل 6214عاملاً عربياً في شباط 1935 وبعد 6 أشهر فقط نقص العدد إلى 2276وبعد حوالي عام نزل إلى 677عاملاً عربياً فقط(14).
وقد وقعت تعديات دامية على العرب, منها إرغام الحاميات اليهودية لمقاول عربي وعماله على الانسحاب من عملهم في عمارة الأدون بروتنسكي في حيفا بالقوة عام 1934, كان الطرد يتناول عمال البيارات ومعامل السجاير والمحاجر وأعمال البناء ومعامل الكلس وغيرها(15). ومن 1930إلى1935 هبطت قيمة صادرات صناعة الأصداف العربية من 11.532 جنيهاً إلى 3.777 جنيهاًًًًً وتناقصت معامل الصابون العربية من 12معملاً في يافا وحدها عام 1929إلى 4 في 1935, وبينما كانت هذه المعامل تصدر في 1930ما قيمته 206.259 جنيهاً تدنت القيمة في 1935 إلى 79.311جنيهاً(16). إن أفضل وصف لهذه الحالة هو أن البروليتاريا العربية كانت "ضحية الاستعمار البريطاني والرأسمالية اليهودية ,وعلى الأول تقع المسؤولية "(17).ويضيف "يهودا بوير" إلى ذلك كله(18) أن فلسطين "كانت عشية الاضطرابات (1936) البلد الوحيد في العالم, فيما عدا الاتحاد السوفياتي, التي لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية (العالمية)، وعلى العكس فقد تمتعت بازدهار حقيقي نتيجة استيراد رأسمال مالي بلغ أكثر من 30 مليون جنيه إسترليني بين 1932-1936، بيد أن هذا الرأسمال لم يكن كافياً ليغطي كل برامج الاستثمار التي بدأت بتفاؤل مبالغ فيه". إلا أن هذا الازدهار الذي كان قائماً على أسس هشة تهاوى فجأة حين توقف تدفق الرأسمال الخاص نتيجة التخوف من انفجار الحرب في المتوسط "وقد تقوض نظام التسليف وظهرت علامات البطالة بصورة جدية وتناقصت أعمال البناء كثيراً. طرد العمال العرب من أماكن عملهم اليهودية أو العربية ليعودوا، على الأقل جزئياً، إلى قراهم .. ووجدت مطرقة الدعاية القومية في الأزمة الاقتصادية سندانها"(19). إن كلام بوير، بالطبع، يحذف العامل الأهم وهو الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتصاعدها. فإذا تذكرنا قول الخبير السير جون هوب سمبسون في تقريره، ص117 "إنها سياسة سيئة وربما خطرة أن ترصد أموال كبيرة في صناعات غير متحققة الفائدة في فلسطين لتبرير زيادة عدد المهاجرين" فإن كلام بوبر السابق يبدو دون سند منطقي: إذ أن تدفق الرأسمال اليهودي – عكس ما يقول – ظل في تصاعد خلال السنوات التي يتحدث عنها، والواقع أنه بلغ ذروته في 1935.وكذلك بالنسبة لعدد المهاجرين الذي تصاعد في هذه السنوات وارتفعت رؤوس الأموال اليهودية المستثمرة في الصناعات والحرف اليهودية من 5.371.000 ج.ف في 1933 إلى 11.637.300 ج.ف في 1936(المصدر ص313)، كما أن عمليات طرد العمال العرب من الأعمال اليهودية قد بدأ قبل ذلك بكثير(20). وكانت قوافل من الفلاحين العرب، في هذه الأثناء، تطرد وتقتلع من أراضيها وتتدفق إلى المدن نتيجة الاستعمار الصهيوني في الأرياف(21). يقول إسرائيليون يساريون: إن تجربة 50عاماً لا تحتوي على مثال واحد يشير إلى تعبئة العمال الإسرائيليين حول قضايا مادية أو اتحادات عمال لتحدي النظام الإسرائيلي نفسه، من المستحيل تعبئة حتى البروليتاريا بهذه الطريقة"(22).
والواقع أن هذا الوضع لم يكن نشوءاً عشوائياً غير محسوب، نتج عن خطأ غير متوقع في مخطط دقيق، بل على العكس تماماً. فالحركة الصهيونية منذ البدء كانت على وعي لما سيحدث: "إن الأراضي الخاصة في المناطق الممنوحة لنا يجب أن نستولي عليها من أيدي المالكين، ويجب إجلاء الفقراء من السكان بهدوء خارج الحدود وذلك عن طريق توفير أعمال لهم في البلاد التي يرحلون إليها، ولكننا نحرم عليهم أي عمل في بلادنا، أما أصحاب الأملاك فسينضمون إلينا."(23).
إن الهستدروت يضع هذه الحقيقة بصورة واضحة: "إن السماح للعرب بالتغلغل في سوق اليد العاملة اليهودية يعني أن يستخدم ضخ الرأسمال اليهودي لمصلحة التطور العربي ضد الأهداف الصهيونية، وبالإضافة لذلك فإن توظيف العمال العرب في الصناعة اليهودية سيؤدي إلى تقسيم طبقي في فلسطين يتبع الخطوط العرقية: اليهود كرأسماليين يستخدمون العرب كعمال، وبذلك نعيد في فلسطين الأسس غير الطبيعية التي أدت إلى ظهور اللاسامية في التيه"(24). إن هذا التطابق الأيديولوجي والواقعي على عملية الغزو الاستيطاني قد استولد، مع تصاعد التناقض مع المجتمع العربي، أشكالاً فاشية من التنظيمات الصهيونية، واستخدمت الفاشية الصهيونية هذه أساليب الفاشية الصاعدة آنذاك في أوروبا.
وكان العامل العربي، في هذه الصورة, تحت قاع ذلك الهرم الثقيل الشديد التعقيد. وازداد الوضع سوءاً نتيجة ارتباك الحركة النقابية العربية الناشئة. والواقع أنه في الفترة الممتدة بين أوائل العشرينات وأوائل الثلاثينيات تلقت الحركة العمالية اليسارية، في الجانب العربي وفي الجانب اليهودي على حد سواء، ضربات ساحقة جعلتها بالإضافة للأسباب الذاتية حركة كسيحة. فمن جهة كانت الحركة الصهيونية التي شرعت تتجه بسرعة نحو الفاشية والإرهاب المسلح تشكل تهديداً معنوياً ومادياً للحزب الشيوعي الذي كان معظم زعمائه من اليهود، والذي لم يكن يهضم بأي شكل من الأشكال آنذاك، داخل الحركة الصهيونية الممثلة بأحزابها "العمالية"، من الجهة الأخرى كانت القيادة الإقطاعية الدينية الفلسطينية لا تتحمل بدورها نشوء حركة نقابية عربية خارج هيمنتها (ولم يكن ممكناً لحركة نقابية عمالية حقيقية أن تنشأ وتنمو فعلاً إلا خارج هيمنتها). وهكذا تعرضت هذه الحركة الوليدة(*) إلى إرهاب القيادات الإقطاعية: ففي أوائل الثلاثينات اغتالت جماعة المفتي ميشيل متري رئيس جمعية العمال العرب في يافا، وبعد ذلك بحوالي عشر سنوات اغتيل بالطريقة نفسها النقابي سامي طه رئيس جمعية العمال العرب في حيفا. لقد كانت العلاقة السياسية بين العمال العرب وبين القيادات الإقطاعية، بسبب غياب قوة بورجوازية لها نفوذ سياسي واقتصادي في البلاد، ذات طبيعة تناحرية لا يمكن التقليل من حدتها إلا عندما تتحقق للقيادات الإقطاعية-الدينية السيطرة على العمل النقابي، ولكن إذا حدث ذلك فإن العمل النقابي يفقد جوهر دوره النضالي، ومع ذلك فإن مساحة معينة من القضية المشتركة كان يمكن العثور عليها دائماً، نتيجة لاحتدام النضال القومي.
إن دور الحزب الشيوعي هنا مهم للغاية، وفي مطلع العشرينات كان يمكن العثور على بوارق من أمل لم يكن من الممكن آنذاك الاعتقاد بأنها بوارق مزيفة، مثلاً: تظاهرة شيوعية من نحو 55 شخصاً صباح أول آيار 1921 في تل أبيب تصطدم بتظاهرة صهيونية، وقد أرغم الشيوعيون على الهرب من تل أبيب، فألجأهم حي المنشية العربي في يافا، واصطدم الجميع بالبوليس البريطاني حين جاء ليقبض على البولشفيك(25). وفي بيان جرى توزيعه في اليوم نفسه، قالت "اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي الفلسطيني": "يعيش معكم العمال اليهود، الذين لم يأتوا لاضطهادكم بل كي يعيشوا معكم، وهم مستعدون للجهاد بجانبكم ضد هؤلاء الأعداء الماليين من اليهود والعرب والإنكليز ... وإذا كان أصحاب الأموال يدفعونكم ضد العمال اليهود حتى يأمنوا من تعديكم عليهم، فهل تبقون على خطأكم هذا؟ إن هذا العامل اليهودي، جندي الثورة، جاء يمد يده إلى أيديكم كزميل لكم لمقاومة الماليين الإنكليز واليهود والعرب ... نناديكم للجهاد ضد الأغنياء الذين يبيعون البلاد وأهاليها للأجانب، فلتسقط الحراب الإنكليزية والفرنسية وليسقط أصحاب الثروات العرب والأجانب ..."(26). إن المدهش في هذا البيان الطويل ليس فقط ذلك التحليل التجريدي، الخيالي، لحالة الصراع ولكن أيضاً خلوه كلياً من كلمة "صهيوني" : الخطر الذي كان يحسه العامل والفلاح العربيان إحساساً يومياً، والذي ربما أحسه، صبيحة اليوم ذاته الذي وزع فيه ذلك المنشور، 55 شيوعياً "يهودياً" ضربهم الصهاينة في تل أبيب، وطردوهم نحو يافا.
سيظل الحزب الشيوعي الفلسطيني واقفاً على هذا البعد من أرض الواقع حتى 1930 حين انعقد مؤتمره السابع آخر ذلك العام، واعترف في مقرراته أنه "اعتمد موقفاً أساسياً خاطئاً في المسألة القومية الفلسطينية أي في مسألة دور الأقلية القومية اليهودية في فلسطين إزاء الجماهير العربية، ونتيجة لذلك لم يقم الحزب بنشاط عملي بين الجماهير العربية، وظل قطاعاً انعزالياً يعمل بين العمال اليهود وحدهم، وهذه العزلة انعكست في موقف الحزب أثناء الثورة العربية عام 1929، حين انقطع الحزب عن حركة الجماهير" (27).
وبالرغم من أن الحزب يكيل الاتهامات للبورجوازية الفلسطينية التي كانت آنذاك في وضع حرج، وبالرغم من أنه يتجه نحو نبذ تكتيكات الجبهات الشعبية والتحالفات بين طبقات الثورة فإن وثائق المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني 1930-1931 هي من أثمن وأدق التحليلات في تاريخ هذا الحزب، ففيها يكرس الحزب أولوية حل قضية العرب القومية كواجب من أهم واجبات الكفاح الثوري، وفيها يعترف بأن الانقطاع عن حركة الجماهير كان "نتيجة انحراف صهيوني أعاق تعريب الحزب". وتشكو الوثائق من "مساع انتهازية ... لتجميد تعريب الحزب". إن المؤتمر السابع يقر هذه الحقيقة البديهية الرئيسية: على الحزب أن يزيد كوادر القوى الثورية القادرة على توجيه نشاط الفلاحين في الطريق الصحيح، أي كوادر العمال العرب الثوريين، ولذا فان تعريب الحزب، أي تحويله إلى الحزب الحقيقي للجماهير الكادحة العربية، هو الشرط الأول والأساسي"لعمل ناجح في الأرياف"(28).ولكن الحزب لم يستطع قط أن ينجز مهام التعريب، ولذلك ظلت الشعارات الثورية الصحيحة التي أقرها المؤتمر بريقاً نظرياً لا أكثر: "لا دونم واحد للغاضبين الإمبرياليين والصهيونيين"، "الاستيلاء الثوري على الأرض العائدة للحكومات والمستعمرين اليهود الأغنياء والطوائف الصهيونية وكبار الملاكين والمزارعين العرب"، "عدم الاعتراف بالاتفاقات المتصلة ببيع الأرض"، "النضال ضد الغاضبين الصهيونيين". ويقرر المؤتمر: "أن حل المسائل الملتهبة كافة، والتصفية الحقيقية للاضطهاد ممكن فقط بثورة مسلحة تحت قيادة الطبقة العاملة"(29). "ممكن فقط" كانت هذه هي العبارة المهمة.
إن الحزب الشيوعي الفلسطيني لم ينجز مهمة التعريب، وهكذا تهاوى بنيان المخطط برمته، وظل الميدان مفتوحا ً أمام هيمنة القيادات الإقطاعية–الدينية.
إن أسباب ذلك عديدة، ولكن ربما يكون أهمها هو أن هذا الخط في الحزب الشيوعي كان انعكاساً للموقف المتصلب والثوري الذي اشتهر عن الكومنترن في فترة 1928-1934. ورغم صغر عددهم، وعزلهم، وعدم نجاحهم الكامل في تعريب الحزب، وفشلهم في الوصول إلى الريف، فقد ألقى الشيوعيون بكل ثقلهم في معركة 1936، وأخذوا مواقف شجاعة وتعاونوا مع بعض القادة المحليين، وأيدوا المفتي، وخسروا كثيراً من الشهداء والمعتقلين، ولكنهم لم يفلحوا في أن يكونوا قوة مؤثرة. ويبدو أن شعار التعريب ضاع في مكان ما بعد ذلك، إذ تجرؤ الازفستيا في 22/1/1946( أي بعد حوالي عشر سنوات ) على تشبيه "نضال اليهود" في فلسطين بالنضال البلشفي قبل ثورة 1917.
مهما يكن فإن مقررات المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني لم يكشف عنها إلا مؤخراً، وعملية التعريب لم تحدث، وبالرغم من الدور الثقافي الذي لعبه الحزب، والعناصر المناضلة في هذا الصعيد التي أنتجها، فإنه لم يلعب في الحركة النضالية الفلسطينية في تلك الفترة الدور الذي رشحه له مؤتمره السابع، وقد انشطر الحزب من القاعدة خلال ثورة 1936 وتعرض لانشطار أخر، قاعدي، في 1948، وفي 1965 انشق مرة أخرى، والسبب بالضبط يتعلق بمسألة التعريب، إذا أن المنشقين كانوا من دعاة تبني سياسة "بناءة " إزاء الصهيونية.
إن غياب دور الحزب الشيوعي على هذه الصورة، وضعف البورجوازية العربية الصاعدة، وتشتت الحركة العمالية العربية، جعل دور القيادات الإقطاعية – الدينية مرشحاً للعب دور رئيسي عندما تصاعدت الأحداث إلى انفجار 1936.

 

 

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 النقاط الثلاث

الخلفيات

العمال

الفلاحون

المثقفون

الثورة

مسألتان هامتان

الخسائر البشرية

سبب الركود

المراجع

عن مركز الدراسات الجماهيرية
فلسطين - غزة