ثورة 36-39 في
فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل |
|
الفلاحون
تلك كانت الأوضاع
العمالية عشية انفجار ثورة 1936، إلا أن هذه
الأوضاع كانت تشغل نصف مساحة الخارطة التي كان
يحتدم فيها ذلك التناقض المركب بين المجتمع
اليهودي في فلسطين وبين المجتمع العربي ثم داخل كل
واحد من هذين المجتمعين على حدة. أما النصف الآخر
من الخارطة فقد كان في الريف. فهناك أخذ الصراع
شكله القومي المباشر، لأن الأموال اليهودية
المتدفقة بغزارة على فلسطين مضافاً إليها القوات
العسكرية للإمبرياليين البريطانيين، والنفوذ
الهائل للجهاز الإداري الإنكليزي، قد حققت بالنسبة
إلى مخططات الصهيونية في إقامة دولة يهودية نتائج
تافهة (6752مستوطناً مستعمراً) ولكنها نجحت في
مزاولة تأثير تخريبي على الجماهير العربية... إن
ملكية الجماعات اليهودية قد ارتفعت على حساب
الأراضي الريفية والمدنية من 300 ألف دونم عام
1929 إلى مليون و250 ألف دونم عام 1930. إن هذه
الـ100 ألف هكتار لا تساوي شيئاً يذكر بالنسبة
للاستعمار الجماعي، ولحل "المسألة اليهودية"، ولكن
... الاستيلاء على حوالي مليون دونم أي ما يقرب من
ثلث الأرض الزراعية، يعني الإفقار للفلاحين والبدو
على نطاق ووتيرة لم يسمع بهما من ذي قبل، إن عدد
عائلات الفلاحين الذين طردوا من أرضهم من قبل
الصهاينة عام (1931) يبلغ20 ألفاً(30).على أنه
بالإضافة لعملية الإفقار المنظمة هذه، فإن العامل
القومي ها هنا يلعب دوراً رئيسياَ. فالحياة
الزراعية في العالم المتخلف عموماً، وبصورة خاصة
في العالم العربي، ليست نمطاً من الإنتاج فحسب، بل
هي أيضاً وبدرجة مساوية أسلوب حياة اجتماعية
ودينية وطقوسية راسخة. وبالتالي فإن الصدام على
هذا الصعيد يشكل صداماً يأخذ بالدرجة الأولى شكل
الصراع القومي البحت. فحتى عام1931 كان 151يهودياً
فقط من كل ألف يهودي في فلسطين يعتمدون في معيشتهم
على الزراعة، بينما كانت النسبة بين العرب
المسلمين 637 شخصاً في كل ألف، وهكذا فإنه من أصل
حوالي 119 "فلاح" يشتغل بالأعمال الزراعية في
فلسطين لا يوجد إلا 11 ألف يهودي تقريباً(31).
وفي حين أنه (في عام 1931) كان هناك 19.1 بالمئة
من اليهود فقط يعملون في الزراعة كان هناك 59
بالمائة من العرب يمارسون هذا العمل.
إن الأساس الاقتصادي لهذا الصدام فادح الخطورة
بالطبع، ولكن كي نفهمه تماماً ينبغي أن ندرك وجهه
القومي: إن 30 بالمئة من الفلاحين العرب في 1941
لم يكن لديهم أية قطعة أرض، فيما كان يملك 50
بالمائة من الباقي أرضاً صغيرة لا تكفيهم، هنالك -
من جهة أخرى - 250 إقطاعياً عربياً كانوا يملكون 4
ملايين دونم، و25 ألف عائلة فلاحية بدون أرض، و46
ألف عائلة فلاحية لها أرض صغيرة بمعدل 100 دونم
للعائلة، و15 ألف عامل زراعي مأجور يعملون عند
ملاكين. وحسب دراسة أجريت على 322 قرية عربية في
1936 تبين أن 47 بالمائة من الفلاحين يملكون أقل
من 7 دونمات، و63 بالمائة يملكون أقل من 20 دونماً
(الحد الأدنى اللازم لإطعام عائلة فلاحية 130
دونماً)(32). ولكن من خلال انسحاق الفلاح العربي
بين كابوس مثلث: الغزو الصهيوني للأرض، والملكية
الإقطاعية العربية، وفداحة الضرائب التي تفرضها
حكومة الانتداب، فإن التحدي الذي يأخذ مكان
الصدارة هو التحدي القومي. إن كثيراً من الفلاحين
العرب الصغار، في انتفاضة آب 1929 وانتفاضة 1933
باعوا أراضيهم للملاكين العرب الكبار كي يشتروا
بأثمانها سلاحاً لمقاومة الغزو الصهيوني والانتداب
البريطاني. إن الغزو، الذي يتحدى طراز عيش له نفوذ
الدين والتقليد والشرف، هو الذي مكن القيادات
الإقطاعية - الاكليركية من مواصلة لعب دورها
بالرغم من الجرائم التي ارتكبتها، ففي كثير من
الحالات كانت العناصر الإقطاعية التي تشتري تلك
الأرض تبيعها للرأسمال اليهودي.
وخلال الفترة الممتدة بين 1933 و 1936 كان 62.7
بالمئة من مجموع الأرض التي اشتراها الصهاينة
أراضي ملاكين متواجدين في فلسطين، و14.9 بالمئة
أراضي ملاكين غائبين، و 22.5 بالمئة أراضي فلاحين
صغار بينما كانت هذه النسبة، بين 1920 و 1922:
75.4 بالمئة أراضي ملاكين غائبين، و20.8 بالمئة
أراضي ملاكين متواجدين و 3.8 بالمئة أراضي فلاحين
صغار(33).
إن القوانين التي سنتها حكومة الانتداب قد صممت
لخدمة أهداف الاستيطان اليهودي، ورغم أنه من حيث
الشكل حاولت تلك القوانين الإيحاء بوجود ضمانات
للفلاح إزاء عملية طرده من الأرض التي يعمل عليها،
أو عدم إرغامه على البيع، إلا أن هذه القوانين لم
تحل دون حدوث ذلك، مثل "حادث وادي الحوارث التي
تبلغ مساحته 40 ألف دونم، وحادث قرية شطة البالغة
مساحة أراضيها 16 ألف دونم وحوادث أخرى كثيرة أخذ
فيها اليهود الأراضي وشتتوا شمل المزارعين العرب،
وبسبب ذلك أصبح الخمسون ألف يهودي الذين يعيشون في
المستعمرات الزراعية يملكون مليوناً و 200ألف دونم،
بمعدل 24 دونماً للفرد.
أما الفلاحون العرب الذين يبلغ عددهم 500 ألف
فيملكون مساحة تقل عن 6 ملايين دونم، بمعدل 12
دونماً للفرد"(34). وقد ظلت - على سبيل المثال-
قضية 8730 فلاحاً طردوا من مرج بن عامر (240 ألف
دونم) الذي باعته عائلة سرسق الإقطاعية البيروتية
لليهود معلقة منذ حصول البيع والطرد في 1921 حتى
انتهاء الانتداب في 1948(35). " إن كل قطعة أرض
يشتريها اليهود تصبح غريبة عن العرب وكأنها اقتطعت
من جسم فلسطين ونقلت إلى بلاد أخرى"(36). ورغم أن
هذا الكلام المؤثر هو لأحد كبار الإقطاعيين
الفلسطينيين الذين أسهموا في تزعم الحركة الوطنية
الفلسطينية، فإنه هو نفسه الذي يقول "يقول اليهود
أن عشرة بالمئة من الأراضي التي ابتاعوها كانت من
الفلاحين والبقية من الملاكين الكبار" وكأنه يجد
في هذا القول ما لا يعجبه فيستطرد: "ولكن الحقيقة
هي أن 25 بالمئة من الأراضي التي ابتاعوها كانت من
الفلاحين"(37). وهذا الشعور الخجول عند الإقطاعي
المذكور له ما يبرره تماماً. فقد بين غرانوت -
خبير الأراضي اليهودي - أن ما كسبته 3 شركات
يهودية فقط حتى عام 1936، (وهو يشكل نصف ما كسبه
اليهود حتى ذلك التاريخ) "إنما حصلت على 52.6
بالمئة منه من كبار أصحاب الأرض الغائبين، و24.6
بالمئة من كبار أصحاب الأرض المقيمين، و13.4
بالمئة من الحكومة والكنائس والشركات الأجنبية،
و9.4 بالمئة من الأفراد الفلاحين"(38).
كانت عملية الشراء تخلق طبقة متزايدة الاتساع من
الفلاحين المعدمين الذين كانوا يتحولون إلى عمال
زراعيين موسميين، ولكنهم كانوا في الغالب يتجهون
إلى المدن ويضحون يداً عاملة غير ماهرة ورخيصة، إذ
لم يحدث أن "أخرج فلاح من أرضه وتأمن على أرض
جديدة، ولا في حادثة واحدة، أما التعويض فقد كان
قليلاً جداً، ولم يكن سخياً إلا في حالة المختار
وأعيان القرية، أما الأكثرية الساحقة فلا"(39).
وكان هؤلاء يتوجهون في معظم الحالات إلى المدن "إن
عمال التنظيفات في يافا أكثرهم من القرى (بربرة
وخلافها)، وشركة السجاير والتنباك العربية في
الناصرة تقول بأن أكثر عمالها قرويون أو من أصل
قروي"(40). إن ما يحدث هناك يصبح مفهوماً " فقد
سألنا الشركة (المذكورة) عن عدد عمالها فقالت 210،
فسألناها كم دفعت لهم أجوراً أسبوعية فأجابت
62جنيهاً، فإذا قسمنا المبلغ على 210 نحصل على رقم
29 قرشاً ونصف وهذا معدل أجرة العامل
الأسبوعي"(41) (أجرة العاملة اليهودية في ذلك
الوقت، التي تعمل في شركات التبغ كانت تتراوح بين
170 و 230 قرشاً يومياً)(42) وحتى على الصعيد
الرسمي، حين كان القروي العربي المعدم ينزح إلى
المدينة ويجد عملاً في دائرة حكومية مثل دائرة
الأشغال، فقد كان الفارق في الأجر بينه وبين زميله
اليهودي في الدائرة نفسها يتجاوز غالباً الـ 100
بالمئة(43).
وكانت لجنة جونسون-غروسبي قد قدرت متوسط دخل
الفلاح العربي سنوياً(عام 1930) بمبلغ 31.37
جنيهاً قبل دفع الضرائب، ولكن هذا التقرير نفسه
أظهر أن الفلاح يدفع 3.87 جنيهاً تسديداً لثلاث
ضرائب، فإذا حذفنا 8 جنيهات سنوية يدفعها كفائدة
على دينه السنوي يصبح على الفلاح أن يعيش بـ19
جنيهاً ونصف سنوياً هو وعائلته بينما المعدل
اللازم لتغطية أود عائلة فلاحية، كما يقول التقرير
نفسه، هو 26جنيهاً.
"إن طبقة الفلاحين هي في الحقيقة الطبقة الوحيدة
التي يتحتم عليها أن تساعد في القيام بعبء جميع
أنواع الضرائب في فلسطين ... إن السياسة التي
تتبعها الحكومة ترمي إلى وضع الفلاح في حالات
اقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي"(44).
لقد كان للهجرة اليهودية، والمسألة المهمة
المرتبطة بها وهي تحويل الاقتصاد "الفلسطيني" من
اقتصاد زراعي عربي إلى اقتصاد صناعي يهودي أثرهما
المباشر على الفلاح العربي الصغير بالدرجة الأولى
كما رأينا: إن الإعفاءات الضريبية التي كانت تمنح
للمهاجرين اليهود، والإعفاءات التي كانت تغطي
استيرادات تتعلق بتنشيط الصناعة اليهودية وذلك
بفرض ضريبة جمركية عالية على المنتوجات المستوردة،
وبإعفاء المواد الخام، والمواد المصنوعة صنعاً
أولياً، والفحم والأكياس والآلات .. الخ من
الضرائب الجمركية كانت تعوض عن طريق ابتزاز الفلاح
العربي. فقد ارتفع معدل ضريبة الجمرك من 11 بالمئة
في بدء الانتداب إلى أكثر من 26 بالمئة في 1935:
100 بالمائة على السكر و 149 بالمئة على الدخان و
208 على البنزين، و400 بالمائة على الثقاب، و26
بالمئة على القهوة(45). إن طوق الحصار الاقتصادي
تلخصه بصورة رمزية هذه الحكاية التي روادها
المطران غريغوريوس حجار أمام لجنة بيل في 1937:
"كنت مرة في قرية الرامة في قضاء عكا، وهنالك سمعت
شكوى السكان (في) هذه البلدة وجوارها (التي) فيها
أكبر موسم للزيتون والزيت النقي، وطالما كرر
(الأهالي) الشكاوي إلى المندوب السامي عن استعمال
معمل شيمن للزيت الصناعي، (وهو المعمل) الذي تعززه
الحكومة بأن تعفى من الرسوم الجمركية كل ما يرد
إليه من الفول السوداني، الذي يستخرج منه الزيت
وبعد ذلك يخلط هذا الزيت بزيت الزيتون، وتباع
بأسعار دنيئة جداً، وقد ألح الأهالي في شكاوي (كذا
بالأصل) متكررة بطلب حماية زيتهم من هذه الآفة،
فألفت الحكومة لجنة كلفتها بالاستماع إلى شكاوي
أهل القرية، وتوجهت إلى الرامة، وما كان أشد دهشة
هؤلاء وامتعاضهم عندما رأوا على رأس هذه اللجنة
مدير معمل شيمن نفسه"(46). "إنه ليس محزناً فحسب،
بل مسبب للاشمئزاز أن الضرائب في فلسطين تفرض على
طبقات الشعب بالطريقة الآتية: تسمح الحكومة بأن
يكلف الرجل الذي يكون محصوله السنوي 23 جنيهاً و
370ملا بدفع 25 بالمئة من الضرائب، بينما التاجر،
وأصحاب المهن الحرة والمستخدمون الذين دخلهم ألف
جنيه في السنة ينالهم 12 بالمئة من جميع ضرائب
الحكومة"(47).
كان الفلاح الصغير والمتوسط يرزح تحت ذلك العبء،
ليس فقط بسبب سياسة الإفقار و السلب، ولكن بسبب
الشعار الذي كان يرفعه الصهاينة: "اليد العاملة
العبرية فقط" وشعار "الإنتاج العبري فقط" وكان ذلك
يؤدي "ليس فقط إلى تشغيل الصناعيين والمزارعين
اليهود لعمال يهود فحسب، ودفع أجور أعلى، ولكن
أيضاً لتحديد أسعار أعلى لمنتوجاتهم. إن مبدأ
الإنتاج العبري كان يشجع السكان اليهود على تفضيل
المنتوجات اليهودية بأسعارها الأعلى من منافستها
العربية(48).
فإذا تذكرنا - كما رأينا في السابق - أن معظم
المواد الخام كانت معفاة من الضرائب، وأن الضرائب
الجمركية كانت عالية على السلع المستوردة والتي
كانت تنتج المصانع اليهودية في فلسطين مثلها،
أدركنا أن شعار "الإنتاج العبري فقط" كان شعاراً
يتحمل عبئه الفقراء العرب بالدرجة الأولى مقابل
ذلك كانت الطبقة التي اصطلح على تسميتها بطبقة
"الأفندية" والتي تعيش في المدن، تحصل على الجزء
الأوفر من دخلها من الأرض الزراعية المؤجرة
للفلاحين ومن فوائد الديون التي كانوا يقدمونها
للفلاح - وفي الثلاثينات لم يكن هؤلاء الأفندية قد
شرعوا بتوظيف أموالهم في الصناعة وفي الأعمال في
المدن (شرعوا في ذلك مع بداية الأربعينات على نطاق
محدود)، ولكن حتى هذا الابتزاز كان يشكل بالنسبة
للفلاح شراً أقل فتكاً من شر الصهيونية، فاستغلال
"الأفندية"، الطبقة التي نمت حول الأرستقراطية
الإقطاعية وكسبت حمايتها منذ الحكم التركي، لم يكن
يصل إلى حد الاقتلاع، وكانت "المؤسسات" التي نمت
منذ عهود سحيقة حول هذه العلاقات (الحمولة،
العائلة، العشيرة، الطائفة .. الخ) تجعل ذلك
التناقض الفادح يبدو أقل خطراً، قياساً على الخطر
المباشر الذي كانت تمثله الصهيونية.
إن "طبقة" لم تعط الأهمية الكافية في الدراسات
الفلسطينية هي "طبقة" البدو، الذي بلغ تعدادهم في
فلسطين عام 1931: 66.553 بدوياً (كان عددهم
103.000 في 1922). أن هذه القوة التي شاركت مشاركة
بارزة في ثورة 1936 كانت قد لعبت دوراً مهماً في
انتفاضة شهر آب 1929 ولفتت نظر الحزب الشيوعي
الفلسطيني في مؤتمره السابع الذي سبقت الإشارة
إليه. إن هؤلاء البدو الذين يشكلون 35 بالمئة من
السكان تقريباً "يجعلهم الجوع الدائم في حالة غضب
يبقى دائماً على حافة الانتفاضة المسلحة، إن
اشتراكهم في انتفاضة آب يدلك على الدور الكبير
الذي يمكن أن يلعبوه في تمرد ثوري للجماهير، وفي
الوقت نفسه يغدو من الواضح أن شيوخ وزعماء هذه
القبائل يمكن أن يفسدوا بالمال... والبدو يمدون
بلا انقطاع جيش الفلاحين المحرومين من الأرض
وأنصاف البروليتارية بأيد وأفواه جديدة"(49).
في غضون ذلك كانت البرجوازية العربية المدينية
الصغيرة والممزقة في حالة تخبط وضياع وتمزق، وكانت
سرعة تحول المجتمع إلى الاقتصاد الصناعي اليهودي
تجري دون أن تتيح لهذه البورجوازية الناشئة، ولا
للإقطاعيين، فرصة المشاركة بهذا التحول أو
الاستفادة منه، ولذلك فإنه لم يكن غريباً قط أن
نرى بأن معظم الزعماء الفلسطينيين الذي شهدوا أمام
لجنة "بيل" الملكية في 1937 وكذلك أمام اللجان
التي سبقتها، يصرفون وقتاً طويلاً في امتداح
الاستعمار العثماني وإطراء معاملته قياساً على
معاملة الاستعمار البريطاني: فقد كانوا يشكلون آلة
الباب العالي وذراع السلطان وجزءاً لا يتجزأ من
نظام الهيمنة والاستغلال والقمع، وقد صرفهم
الاستعمار البريطاني من دور الوكيل الأول، لأنه
وجد وكيلاً أكثر كفاءة وأشد رسوخاً وأرقى تنظيماً
هو الحركة الصهيونية.
وهكذا جرى رسم أفق الدور الذي كان على القيادات
الإقطاعية – الإكليركية أن تلعبه في الأساس،
"النضال" من أجل موقع أفضل في النظام الاستعماري،
ولكنها لم تكن لتستطيع أن تخوض ذلك "النضال" دون
أن ترص وراءها صفوف الطبقات التي كانت تتعطش لطرد
القهر القومي المزدوج، والقهر الطبقي المزدوج، عن
صدرها، وكي تنجح في ذلك رسمت لنفسها برنامجاً أكثر
تقدماً من طاقتها، واستعارت شعارات الجماهير التي
لم تكن لتستطيع ولا ترغب في دفعها إلى مداها،
وسلكت أشكالاً في النضال ليست من طبيعتها.
وبالطبع، لم يكن لهذه القيادات مطلق الحرية في
التصرف، كما يحب الكثير أن يوحوا، بل كانت تتعرض
لجملة الضغوط التي كانت تحرك الأحداث ولتصاعد
التناقضات واحتدامها، ولجملة التأثيرات التي مررنا
عليها، وذلك يفسر التناقضات الجزئية التي كانت
أحياناً تقوم بينها وبين الأنظمة العربية المحيطة
بفلسطين والتي هي شريكة طبقية لها، وكذلك يفسر
أحلافها الواسعة النطاق داخل البنية الطبقية في
فلسطين.
|
|
|
|
|
|