"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 

المثقفون

 

بعد 13 سنة من الاحتلال البريطاني لفلسطين، (أي في1930) يعترف مدير المعارف بتقريره: "لم تتكفل الحكومة منذ الاحتلال حتى اليوم بنفقات كافية لبناء أية مدرسة في البلاد" وفي 1935 رفضت الحكومة 41 بالمئة من طلبات الالتحاق بالمدارس التي قدمها عرب. وفي 800 قرية عربية كانت موجودة في فلسطين كان هناك 15 مدرسة للبنات فقط و269 للصبيان، ووصلت 15 فتاة قروية فقط إلى الصف السابع الابتدائي. وكان هناك 517 قرية عربية لا مدارس فيها للذكور ولا للإناث، ولا توجد أية مدرسة ثانوية في القرى العربية وبالإضافة لذلك كانت الحكومة: " تراقب الكتب وتعارض كل صلات ثقافية مع العالم العربي، وهي لم تفعل شيئاً لرفع المستوى الاجتماعي بين الفلاحين ..."(50). في 1931، إذن، كان المتعلمون بين مسلمي فلسطين251 بالألف بين الذكور و33 بالألف بين الإناث 715 بالألف بين الذكور المسيحيين و441 بالألف بين الإناث. (وكانت النسبة 934 بالألف بين ذكور اليهود و787 بين إناثهم!"(51). ومع ذلك فإن هذه الأرقام وإن عكست الواقع التعليمي في الريف خصوصاً فهي لا تعكس الواقع الثقافي في مجمل فلسطين، هذا الواقع الذي لعب دوراً طليعياً منذ بدء النهضة العربية في مطلع القرن العشرين. ففي الحقيقة كان عدد كبير من المطابع قد تأسس في فلسطين قبل الاحتلال البريطاني، وفي المدة الواقعة بين 1904و1922 ظهرت في فلسطين حوالي 50 صحيفة عربية، وقيل انفجار ثورة 1936 أضيفت عشر صحف أخرى على الأقل، كان رواجها واسعاً.
إن عوامل كثيرة، ليس هنا مجال التوسع فيها، قد جعلت من فلسطين مركزاً ثقافياً عربياً مهماً، وكانت الحركة الدائبة للمثقفين المهاجرين من وإلى فلسطين عاملاً أساسياً في ترسيخ الدور الثقافي في فلسطين، وكذلك إنشاء الجمعيات والنوادي الأدبية الذي بدأ منذ مطالع العشرينات. على أن هذا التطور الثقافي الذي كانت تغذية باتصال أفواج من المتخرجين العرب من بيروت والقاهرة رافقته حركة ترجمة واسعة النطاق عن الفرنسية والإنكليزية، ولا شك أن الإرساليات الأجنبية والتي كانت كثيرة بحكم خصوصية فلسطين بالنسبة لها لعبت دوراً بارزاً في نشر الجو التعليمي في المدن. إن الذي يعنينا هنا ليس الجو الثقافي العام في فلسطين خلال الثلاثينات، على أهميته، ولكن تعنينا على وجه التحديد الانعكاسات التحريضية التي أدى إليها من خلال علاقته مع تفاقم المأزق الاقتصادي والقومي، ومن الممكن قياس هذه الانعكاسات، في أشكالها ومظاهرها المختلفة والمتعددة من خلال رصد الحركة الأدبية في فلسطين في تلك الفترة، ومن خلال رصد تطور ما يمكن أن نصفه بالثقافة الشعبية، وهو ذلك الطراز من الوعي الذي ينمو في الريف الغارق في مجاهل الأمية، ولكن - في الوقت نفسه - الذي يعاني من التحدي اليومي المباشر بصورة تجعله دائم التيقظ. أنه من الواضح أن مثقفي المدن في معظمهم، لهم منشأ طبقي مختلف عن ذلك الذي كان "للدعاة" الريفيين، ورغم أنهم كانوا ينتمون إلى العائلات الإقطاعية أو البورجوازية التجارية أو الصغيرة في المدن، فقد دفعتهم ظروفهم، في مرحلة دقيقة من حياة بلادهم، إلى لعب دور فريد من نوعه، فقد كانوا دعاة ثورة بورجوازية ولكن هذه "الثورة البورجوازية" التي كانوا هم طلائع دعوتها لم تكن موجودة وجوداً مادياً حقيقياً مبلوراً في حركة ذات نفوذ وذات برنامج، كان الميدان متروكاً لهيمنة الإقطاع (الذي بذل كل ما لديه من جهد لمحاولة امتصاصهم تحت قيادته وتركت هذه المحاولات بصماتها بوضوح) ولذلك استطاع هؤلاء المثقفون أن يكونوا أكثر طلاقة إذ أنهم لم يكونوا مرتبطين بوجود حقيقي أو قاعدة صلبة لهذه البورجوازية ولذلك بالذات كانت الحدود التي ينبغي لهم التقيد بها بحكم منشأهم الطبقي، حدوداً مائعة يسرت لهم التقدم في دعواهم أكثر من الشعراء والأدباء الذين يوازونهم، طبقياً وثقافياً، في البلاد العربية الأخرى، في الفترة ذاتها. أما في الريف فقد كان "القوالون"، بحكم تجوالهم واحتكاكهم بالفلاحين، يطورون نوعاً من الزجل السياسي الذي كان يعكس هموم ومطامح الفلاحين بتصاعد يتناسب مع تصاعد الصراع الذي كانت أسبابه تزداد اتساعاً وعمقاً، وفي الريف يشكل الشعر الشعبي، وكل ما يتفرع عنه، طقساً من طقوس الحياة وتقليداً من تقاليدها يزداد رسوخاً مع الوقت، ومن هذه الناحية يصبح لهذا الشعر الشعبي، الذي يتبلور شكله النهائي من خلال إسهامات لا حصر لها وأزمان متطاولة وصدمات اجتماعية متكررة، سطوة تشبه سطوة الإعلام المعاصر.
إن ميكانيكية حدوث ذلك كله، وطبيعة الصدام المركب والمعقد على صعيد الثقافات بين الدعوة إلى الثورة والدعوة إلى الاستكانة، والتي تأخذ أكثر أشكالها تعقيداً وبطئاً في الريف المختلف على وجه الخصوص، هي مسألة ليست من اختصاص هذا البحث هنا، ولكن مع ذلك لابد من الإشارة إلى أن كثيراً من العناصر التي يبدو لأول وهلة أنها ستلعب دوراً سلبياً في هذا الشأن، (مثل إمام المسجد، على سبيل المثال، وهو أكثر الدعاة في الريف نفوذاً) لا تفعل ذلك بالصورة المطلقة التي تقفز إلى الخيال، وفي فترات معينة يكون مستوى التناقض الوطني قد بلغ حداً يستلزم حتى من إمام المسجد أن يبرر مكانته، ومثل هذا العمل، إن لم يؤد إلى نتائج إيجابية مباشرة، فهو يخلخل بالنتيجة "سطورة العصمة" التي لرجل الدين في الريف. من هذه الزاوية كان الصراع الثقافي بين الدعاة الثوريين وبين الرجعيين (في الريف) وبين الدعاة الثوريين وبين العدميين والرومانطيكيين (في المدينة)، يكسب في كل يوم، لمصلحة الثقافة الثورية، مساحة جديدة. لا نعرف كاتباً أو أديباً فلسطينياً واحداً في الفترة التي نحن بصددها لم يخض غمار الدعوة المناهضة للعدو الاستعماري بهذه الدرجة أو تلك وعلى هذا المستوى من الوعي أو ذلك، وقلة من الشعراء لم تكتب عن المسألة الوطنية.
إننا نتحدث عن السمة العامة للجو الثقافي في فلسطين، حيث لعب المثقفون دوراً كان أكبر حجماً من الدور الذي تلعبه هذه الفئة، خصوصاً حين لا تكون حزبية، في أمكنة أخرى تعيش الشروط الكلاسيكية لمعركة التحرر الوطني. كانت خصوصية الوضع بالنسبة للمثقف العربي فريدة: ففي المدينة كان أبناء الأغنياء يرون - بعد عودتهم من الجامعات أو بعد إنهائهم علومهم - كيف تقف الطبقة التي ينتمون إليها عاجزة كلياً عن قيادة المعركة التي انتدبت نفسها لها: مدركين في كل الأحوال تخلفها وكساحها الثقافي أمام رياح العصر، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا يعانون من عجزهم عن إيجاد مكان لأنفسهم في حركة المجتمع المتقدم نحو تثبيت صفته الصناعية، إذ أن القوة التي كانت تتحكم بهذا التحول كانت قوة، في جوهرها وفي مظهرها، أجنبية وغربية، ولذلك فان البورجوازية الوحيدة الموجودة بقوة لم تكن تتحداهم قومياً فحسب، بل أيضاً كانت تعتنق ثقافة لا تمت بصلة إلى ثقافتهم ولا إلى مطامحهم الثقافية.
وفي الريف كان الفلاح الفلسطيني الذي رزح قروناً طويلة تحت أثقال القهر الطبقي والقومي، وجرى تحويله عبر ذلك إلى القدرية المفرطة باسم الولاء الديني، قد أنشأ لنفسه عالماً "ثقافياً" مسوراً بالتقاليد التي فرضتها الطبقة السائدة، والتي عبرت عن نفسها بالأمثال الشعبية، هذه الأمثلة التي كان لها سطوة القانون، وهي سطوة معروفة في كل مكان وخصوصاً في الأرياف الخاضعة لعلاقات الإنتاج الإقطاعية "فهي ليست شكلاً من أشكال الفولكور... بل هو عمل كلامي يؤدي إلى أقوى أنواع التأثير على مجرى الأمور وعلى السلوك الإنساني"(52).
إن الفقر، والانسحاق، وتعاقب قرون مديدة من القهر القومي والطبقي، قد أدت مجتمعة إلى إنشاء "مؤسسة كاملة" للاستسلام والقدرية والخنوع عكست نفسها بالأمثلة الشعبية السائدة(*). وكان على المثقفين الفلسطينيين، وخصوصاً على الشعراء الشعبيين في الريف، مهمات عظيمة لزحزحة تلك الثقافة الخاملة، دون أن يكونوا هم أنفسهم قد تخلصوا جذرياً من تأثيراتها. وصحيح أن قطاعاً من المثقفين الفلسطينيين قد شرعوا يفعلون ذلك منذ وقت مبكر في تاريخ النضال الفلسطيني، وقد لعبوا دوراً بارزاً في بلورة وعي متقدم: إن العلاقة التي نشأت بين الأدب الشعبي الفلسطيني، وكذلك الأدب الفصيح في المدن، وبين حركة النضال الفلسطينية لم تكن علاقة وصفية أو تسجيلية، ولكنها كانت علاقة جدلية من طراز عميق.
إن الشاعر اللبناني الأصل، وديع البستاني، الذي كان قد تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1907 وهاجر إلى فلسطين واستقر فيها، لعب دوراً رائداً في عملية التوعية هذه: فقد حذر من وعد بلفور في نفس الشهر الذي صدر فيه الوعد عام 1917 بوضوح يبدو لنا الآن وكأنه كان نظراً في مرآة. ومن المفيد تتبع حقبة من الزمن يمثلها البستاني ستزدهر في الثلاثينيات، حين نضحي على أبواب الثورة المسلحة، طليعة قوية من الشعراء والقوالين الذين ألهبوا النضال المسلح وجعلوه، أيضاً، جزءاً من التراث الثقافي للجماهير التي كانت ترى في "كلب الأمير أميراً". ففي 29 كانون الأول 1920 وجهت حكومة الانتداب البريطاني إلى رئيس تحرير مجلة الكرمل الثقافية التي كانت تصدر آنذاك في حيفا رسالة رجت فيها نشر قصيدة كان قد أهداها شاعر العراق الشهير معروف الرصافي، الذي كان يزور فلسطين آنذاك، إلى المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل، وفيها يمجد خطيباً يهودياً اسمه "يهودا" ويكيل مديحاً لا حد له للمندوب السامي. ولكن صاحب "الكرمل" لم يجد من اللائق نشر تلك القصيدة التي لا يمكن أن توصف إلا بالخسة دون رد عليها تطوع لكتابته الشاعر وديع البستاني:
خطاب (يهودا)؟ أم عجاب من السحر؟
وقول الرصافي؟ أم كذاب من الشعر،
قريضك من در الكلام فرائد
وأنت ببحر الشعر أعلم بالدر
ولكن هذا البحر بحر سياسة
إذا مد فيه الحق آذن بالجزر
أجل! عابر الأردن كان ابن عمنا
ولكننا نرتاب في عابر البحر..
إن هذه القصيدة الطويلة التي اشتهرت آنذاك كثيراً هي في الحقيقة وثيقة سياسية فذة، فالمناقشة فيها لا تسفه الرصافي فحسب، بل تثبت معطيات سياسية على غاية الأهمية في ذلك الوقت المبكر، منها، بالإضافة إلى هجرة يهود أوروبا وخطرها، دور بريطانيا في التجزئة العربية، ووعد بلفور وآفاته... الخ. وقبل ذلك بفترة وجيزة (28/3/1920) كان وديع البستاني نفسه على رأس مظاهرة، يقودها ويردد أمامها نشيداً نظمه بنفسه، وقد استدعي الشاعر إلى التحقيق، وجاء في ضبط التحقيق الإداري الذي قام به النائب العام:
"النائب العام: وردت بيانات على أنك كنت مرفوعاً فوق الرؤوس، وأنت تقول ووراءك الجمهور: يا نصارى ويا إسلام!
المتهم: نعم.
النائب العام: )وقلت أيضاً) لمين تركتوا البلاد؟
المتهم: نعم.
النائب العام: (ثم قلت) اذبحوا اليهود والكافرين ..
المتهم: لا. هذا اخلال بالوزن والقافية، وما قلته كان مقفى موزوناً، وذا معنى ويقال له الشعر"!(53).
إن الفترات اللاحقة ستشهد بروزاً متعاظماً لدور الشعر على وجه الخصوص، ليعبر في مختلف المناسبات. عما كان يعتمل في صدور الجماهير المغلوبة على أمرها، فحين حضر بلفور من لندن ليشهد احتفال افتتاح الجامعة العبرية في 1925 جاء إلى الحفلة نفسها أحمد لطفي السيد مندوباً عن الحكومة المصرية، ويقول الشاعر اسكندر الخوري البيتجالي يومها موجهاً حديثه لبلفور:
من لندن هرولت تضرم
نار هدي الواقعة
يا لورد ما لومي عليك فأنت أصل الفاجعة
لومي على مصر تمد
لنا اكفا صافعة (54)
إن إبراهيم طوقان و أبو سلمى (عبد الكريم الكرمي) وعبد الرحيم محمود يمثلون منذ بدء الثلاثينات تتويجاً لجيش من الشعراء الوطنيين الذين ألهبوا فلسطين طولاً وعرضاً بالتوعية والتحريض(*):
إسعاف النشاشيبي، وخليل السكاكيني، وإبراهيم الدباغ، ومحمد حسن علاء الدين، وبرهان العبوشي، ومحمد خورشيد، وقيصر الخوري، والخوري جورج بيطار، وبولس شحاده، ومطلق عبد الخالق.. إلخ.
وفي رؤى هؤلاء الثلاثة، طوقان والكرمي ومحمود، قدرة خارقة على استشفاف ما كان يحدث، لا يمكن تفسيرها إلا بأنها استيعاب عميق لذلك الذي كان يحتدم في أوساط الجماهير. أن ما يبدو في قصائد هؤلاء الثلاثة وكأنه نبؤة لا تفسير لها، وتكهن يشبه الرجم بالغيب ليس في الحقيقة إلا قدرتهم على التعبير عن هذه العلاقة الجدلية التي كانت تربط نتاجهم الفني بحركة المجتمع.
يقول إبراهيم طوقان مثلاً تعليقاً على إنشاء "صندوق الأمة" عام 1932 لإنقاذ أراضي فلسطين من البيع لليهود (وهو الصندوق الذي أنشأته وقتذاك القيادة الإقطاعية - الاكليركية بحجة عدم تسرب أرض فقراء الفلاحين إلى اليهود): "إن ثمانية من القائمين على مشروع صندوق الأمة كانوا سماسرة على الأراضي لليهود":
حبذا لو يصوم منا زعيم
مثل غاندي عسى يفيد صيامه
لا يصم عن طعامه، في
فلسطين يموت الزعيم لو لا طعامه
ليصم عن مبيعه الأرض يحفظ
نفعة تستريح فيها عظامه (55)
إن تركيزنا على الدور الذي لعبه الشعر ولعبه الشعر الشعبي، لا يعني أن المظاهر الأخرى من الإنتاج الثقافي في فلسطين لم تلعب أي دور أو أن دورها كان يسيراً: فالصحف والمقالات الأدبية والقصص وحركة الترجمة لعبت مجتمعة دوراً طليعياً لافتاً للنظر. ففي مقال افتتاحي- مثلاً- نشره يوسف العيسى عام 1920 في النفائس نقرأ: "فلسطين عربية، عربية بمسلميها، عربية بمسيحييها، عربية بيهودها الوطنيين أيضاً، فعلام يبيع حماها الأجنبي الصهيوني ... إن زوابع فلسطين لا تهدأ إذا فصلت عن سوريا وجعلت وطناً قومياً للصهيونية.."
إن انطلاقات من هذا النوع، منذ مطالع العشرينات، هي التي شكلت المد الثقافي الثوري في الثلاثينات، الذي لعب دوراً مهماً في تنمية الوعي وتفجير الثورة: أقلام مثل قلم عارف العارف وخليل السكاكيني (الناثر الحاد، الساخر، الجريء، ابن معلم النجارة) وإسعاف النشاشيبي (البورجوازي الكبير الذي تأثر بالسكاكيني وتينى الكثير من آرائه) وعارف العزوني، ومحمود سيف الدين الإيراني ونجاتي صدقي (الصوت اليساري المبكر الذي، في 1936، مجد مادية ابن خلدون وأعلن احتقاره للمثالية - وربما كان هو أول من أرخ للحركة الوطنية العربية منذ بدء عصر النهضة عبر تحليل مادي للأحداث، ونشر بحوثه في "الطليعة" خلال 1937-1938) وعبد الله مخلص (الذي أخذ منذ أواسط الثلاثينات يدعو إلى الإدراك بأن الاستعمار ظاهرة طبقبة، وإلى أن الإنتاج الفني يجب أن يكون موجهاً) ورجا الحوراني، وعبد الله البندك، وخليل البديري، ومحمد عزة دروزة، وعيسى السفري (الذي مجد استشهاد القسام تمجيداً له معناه الثوري العميق) ذلك الاحتدام في الجو الثقافي الفلسطيني، الذي وصل إلى ذروته في الثلاثينات، أخذ كما نرى أشكالاً متعددة في التعبير، ومع ذلك فقد ظلت أولوية التأثير- لاعتبارات عديدة منها تاريخ الأدب العربي نفسه- للشعر وللشعر الشعبي الذي كان بدوره تعبيراً، أيضاً، عن ذلك الجو.
إن هذا وحده هو الذي يفسر ذلك الدور الذي كاد أن يكون وعظاً سياسياً مباشراً، الذي انتدب الشعر نفسه ليلعبه في تلك الفترة. ففي 1929على سبيل المثال كان إبراهيم طوقان يكشف، في وقت مبكر، ذلك الدور الذي كان يلعبه الملاكون الكبار في مسألة الأرض:
باعوا البلاد إلى أعدائهم طمعاً
بالمال، لكنما أوطانهم باعوا
قد يعذرون لو أن الجوع أرغمهم
والله ما عطشوا يوماً ولا جاعوا
كان إبراهيم طوقان قد أطلق في العام نفسه ملحمته عن أحكام الإعدام التي أصدرتها حكومة الانتداب على الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي من صفد، ومحمد جمجوم وعطا الزير من الخليل، وهي القصيدة التي أضحت شهيرة للغاية، وأضحت تعتبر جزءاً من تراث الثورة، مثلها مثل قصيدة عبد الرحيم محمود في 14/8/1935، التي خاطب بها الأمير سعود الذي جاء يومذاك يزور فلسطين: المسجد الأقصى، أجئت تزوره
أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
سوف يستشهد شاعرنا هذا في 1948 في معركة الشجرة في فلسطين، ولكنه قبل ذلك يلعب دوراً بارزاً مع أبو سلمى وطوقان في إرساء دعائم الشعر الفلسطيني المقاوم الذي سيضحي فيما بعد، تحت الاحتلال الإسرائيلي، من أبرز مظاهر صمود الجماهير الفلسطينية.
لقد رافق الشعر والشعر الشعبي التحرك الجماهيري منذ أوائل الثلاثينات بصورة رئيسية، وعبر عن انفجار الثورة وعن دقائقها وغناها: إن قصيدة أبو سلمى "انشر على لهب القصيد" التي أرخ فيها لثورة 1936 تكشف بجرأة تلك الخيبة المرة التي نشأت عن خذلان الأنظمة العربية للثورة:
يا من يعزون الحمى
ثوروا على الظلم المبيد
بل حرروه من الملوك
وحرروه من العبيد ...
ويذكر بالشاعر الشعبي "عوض" الذي كتب على جدران زنزانته في عكا ليلة إعدامه في 1937 قصيدة رائعة كانت نهايتها:
ظنيت النا ملوك
تمشي وراها رجال
تخسا الملوك أن
كان هيك الملوك أنذال
والله تيجانهم ما
يصلحوا النا نعال
إحنا اللي نحمي
الوطن ونبوس جراحو(*)
أن الغضبة التي كانت تنصب في وقت واحد على العدو المثلث: الغزو الصهيوني والانتداب البريطاني والرجعية العربية المحلية وغير المحلية، كانت تنمو باطراد أمام نمو المأزق. في ذلك الوقت كان الريف يطور، مع تصاعد التناقضات وانفجار الانتفاضات المسلحة، وعيه الجديد من خلال احتكاك عناصره "المثقفة " بالمدن وتدفق عوامل التوعية:
يا ناس شو هالسخمة صهيوني مع غربي(56).
ثم:
طلت البارودة والسبع ما طل
يا بوز البارودة من الندى منبل
وكذلك:
بارودتو بيد الدلال اريتها
لا عاش قلبي ليش ما شريتها
وبارودتو لقطعت صدى عقرابها
لقطعت صدى واستوحشت لصحابها
وحتى في الأعراس:
والعريس هو منا – يا ويل اللي نحاربو، بالسيف نقطع شاربو، هز الرمح بعود الزين – وأنتو يا نشامى منين؟ واحنا شباب فلسطين، والنعم والنعمتين – يا أبو العريس لا تهتم، واحنا شرابين الدم، في بلعا ووادي التفاح(**) صارت هجمة وضرب سلاح ... يا بيض يا ملاح، بالله تزغرتنا، يوم وقعة بيت أمرين، تسمع شلع المراتين، طلي علينا من البلكون(57).
بل تصل الدعوة التحريضية للثورة إلى مداها بصورة مدهشة، فبعد كل الأمثال الموروثة التي تنصح بالاستكانة، وتشكل قيداً له سطوة التقاليد وعصمتها، تضحي الأهزوجة الشعبية فجأة، قادرة على أن تقول:
يا عربي يا ابن المجرود ة
بيع أمك واشري بارودة
والبارودة خير من أمك
يوم الثورة تفرج همك ...(58)
إن"البارودة" تضحي، بتراكم التناقضات واحتدامها، الأداة التي تحطم ذلك السور العريق من الدعوة للاستكانة، وفجأة يصير بوسع هذه "البارودة "أن تصل إلى قلب المسألة، وتصبح الثورة كوعد للمستقبل – أفضل من أكثر ما في الماضي من دفء: الأم، العائلة. ولكن فوق هذا الاحتدام كله كان الإقطاع الاكليركي يتكلس بقيادته العاجزة وسطوته وحلفه مع الماضي.
وسط هذه التناقضات المركبة، المحتدمة، المتزايدة الاتساع والعمق، والتي كانت تنصب على الفلاحين والعمال العرب بالدرجة الأولى، ولكنها أيضاً تجثم بثقل على البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في المدن والفلاحين المتوسطين بالأرياف، كان المأزق يتصاعد باطراد، معبراً عن نفسه بانفجارات مسلحة بين الفينة والأخرى (1928-1933):
كان الإقطاع الفلسطيني الاكليركي، من الجهة الأخرى، يشعر بأن مصالحه هو الآخر مهددة من قبل قوة اقتصادية صاعدة هي الرأسمالية اليهودية المتحالفة مع الانتداب. ولكن مصالحه كانت مهددة أيضاً من الجهة المعاكسة: من الجماهير العربية الفقيرة التي لم تعد تعرف أين يتعين عليها أن تتجه، فالبورجوازية العربية المدينية كانت ضعيفة غير قادرة على قيادة مرحلة التحول الاقتصادي التي كانت تجري بسرعة لا مثيل لها، وقسم صغير من هذه البورجوازية تحول إلى طحلب متسلق على هامش النمو الصناعي اليهودي وأخذ طريقه، بقدر ما كانت ظروفه الذاتية والظروف الموضوعية المحيطة بوجوده، تتخذ مجرى معاكساً للحركة التي كانت تحتدم في المجتمع العربي، وانفرد المثقفون الشبان الذين انحدروا عائلات ريفية ومدينية غنية بلعب دور بارز في التحريض الثوري فقد عادوا من جامعاتهم إلى مجتمع يرفضون فيه صيغة العلاقات القديمة التي أضحت متخلفة، وترفضهم فيه الصيغ الجديدة التي أخذت تبلور نفسها وسط التحالف الصهيوني – الإمبريالي.
وهكذا امتزج، بتلاحم لا نظير له، النضال الطبقي بالمصلحة القومية بالمشاعر الدينية، وتفجر هذا المزيج وسط الأزمة الموضوعية والذاتية التي كان يعيشها المجتمع العربي في فلسطين، وظل أسير القيادات الإقطاعية – الاكليركية لهذه الأسباب كلها مجتمعة. فأمام العسف الاجتماعي والاقتصادي الذي كان يلحق بالفقراء العرب في المدن والقرى لم يكن من الممكن للحركة الوطنية إلا أن تأخذ أشكالاً متقدمة من النضال وإلا أن ترفع شعارات وتتبع مسالك طبقية، وأمام الحلف المتين المعبر عن نفسه يومياً بين مجتمع الغزو الذي بناه الصهيونيون في فلسطين وبين الإمبريالية البريطانية لم يكن من الممكن تغييب أولوية السمة القومية لذلك النضال، وأمام الحمى الدينية المهولة التي ارتكز عليها الغزو الصهيوني لفلسطين والتي التصقت بكل مظاهره كان من المستحيل ألا يتمترس الريف الفلسطيني المتخلف وراء التعصب الديني، كمظهر من مظاهر معاداة الغزو الإمبريالي والصهيوني(*).
ولقد تقدمت القيادات الإقطاعية – الاكليركية للتربع على رأس حركة الجماهير، مستفيدة من ضمور البورجوازية العربية المدينية، ومن الحد المعين من التناقض الذي كان يحتدم بينها وبين الإمبريالية البريطانية التي كانت ترسي نفوذها عبر حلفها مع الحركة الصهيونية، ومن صفاتها الدينية، ومن صغر حجم البروليتاريا العربية وضمور حزبها الشيوعي الذي لم يكن فقط تحت هيمنة الزعامة اليهودية ولكن الذي تعرضت عناصره العربية إلى بطش وإرهاب القيادات الإقطاعية منذ أواخر العشرينات. أمام هذه الخلفية المركبة، التي تحتدم فيها تناقضات متداخلة شديدة التعقيد، خطت ثورة 1936 إلى الصف الأمامي في تاريخ فلسطين.

 

 

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 النقاط الثلاث

الخلفيات

العمال

الفلاحون

المثقفون

الثورة

مسألتان هامتان

الخسائر البشرية

سبب الركود

المراجع

عن مركز الدراسات الجماهيرية
فلسطين - غزة