"بالدم نكتب لفلسطين"..... غسان كنفاني

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 

الثورة

 

يتسابق الكثير من المؤرخين في اعتبار حادث معين وقع في مكان معين هو السبب في انفجار ثورة 1936: يعتقد يهودا بويير أن الحادث الذي "يعتبر عموماً بداية اضطرابات 1936" حدث في19 نيسان 1936 حين "هاجمت حشود من العرب في يافا المارين اليهود"(59). ويعتبر عيسي السفري(60) وصالح مسعود أبو يصير(61) وصبحي ياسين(62) أن الشرارة الأولى إنما كانت قيام عصابة عربية مجهولة (يقول صبحي ياسين أنها كانت عصابة قسامية منها فرحان السعدي ومحمود ديراوي) بنصب كمين لسيارات كانت تعبر بين عنبتا وسجن نور شمس، بلغ عددها 15، فسلبت الركاب اليهود والعرب على السواء أموالهم، وألقى أحد الأفراد الثلاثة من العصابة خطبة موجزة في الركاب العرب الذين كانوا أكثرية الركاب، كما يقول السفري، تضمنت القول بأن الثورة قد بدأت و"أننا نأخذ أموالكم لكي نستطيع أن نحارب العدو وندافع عنكم"(63). ويرى الدكتور عبد الوهاب الكيالي(64) أن الشرارة الأولى انفجرت قبل ذلك، أي في شباط 1936، حين تألفت حامية من العمال العرب طوقت إحدى المدارس التي كان مقاولون من اليهود يقومون ببنائها بواسطة أيد عاملة يهودية فقط في يافا. إلا أن جميع المصادر تعتبر عن حق أن الانتفاضة القسامية التي فجرها الشيخ عز الدين القسام كانت هي البداية الحقيقية لثورة 1936. على أن تقرير اللجنة الملكية البريطانية (اللورد بيل)(65)، وهو التقرير الذي يعتبره يهودا بويير من أنضج ما كتب عن المسالة الفلسطينية حتى الآن، يقفز فوق هذه التعابير المباشرة عن الانفجار، ويرد الأسباب في انفجار الثورة إلى سببين رئيسيين هما: رغبة العرب في نيل الاستقلال القومي، وكرههم لإنشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه. وهذان السببان، كما نلاحظ بسهولة، هما في الواقع سبب واحد، وتبدو العبارات التي صيغ بها فضفاضة ولا تقود إلى أي معنى واضح. ولكن اللورد بيل يضع ما يسميه بـ"عوامل ثانوية " ساعدت على نشوب "الاضطرابات "وهي : 1- انتشار الروح القومية العربية خارج فلسطين. 2- ازدياد هجرة اليهود منذ سنة 1933. 3-الفرصة المتاحة لليهود بالتأثير على الرأي العام في بريطانيا. 4- عدم ثقة العرب في إخلاص حكومة بريطانيا. 5- فزع العرب من استمرار شراء الأراضي من قبل اليهود. 6- عدم وضوح المقاصد النهائية التي ترمي لها الدولة المنتدبة. أما قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، فإن فهمها لأسباب الثورة يمكن استنباطه من الشعارات الثلاثة الأساسية التي كانت تتوج بها مجموع مطالبها، وهي: 1- الوقف الفوري للهجرة اليهودية. 2- حظر نقل ملكية الأراضي العربية إلى اليهود. 3- إقامة حكومة ديمقراطية يكون النصيب الأكبر فيها للعرب وفقاً لغالبيتهم العددية(66). على أن هذه الشعارات، بالصيغ الفضفاضة التي كان يجري من خلالها تردادها، ظلت غير قادرة على التعبير عن حقيقة الموقف، والواقع أنها كرست إلى حد بعيد هيمنة القيادة الإقطاعية على الحركة الوطنية.
إن الأسباب الحقيقية للثورة، في الواقع، هي وصول حدة التناقض في عملية انتقال المجتمع الفلسطيني من الاقتصاد الزراعي – الإقطاعي- الاكليركي، العربي إلى الاقتصاد الصناعي البورجوازي اليهودي (الغربي) إلى ذروتها، كما رأينا في الصفحات السابقة، أن عملية تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من حالة الانتداب البريطاني إلى حالة الاستعمار الإسكاني الصهيوني، وصلت إلى ذروتها، كما رأينا، في منتصف الثلاثينات، والواقع أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد أرغمت على تبني شكل الكفاح المسلح لأنه لم يعد بوسعها أن تظل متربعة على سدة هذه القيادة في وقت وصل فيه التناقض إلى شكل صدامي حاسم. وقد لعبت عوامل متناقضة ومختلفة في دفع القيادة الفلسطينية آنذاك إلى تبني شكل الكفاح المسلح: أولاً: حركة عز الدين القسام. ثانياً: سلسلة الإخفاقات التي منيت بها هذه القيادة طيلة فترة تكلسها فوق رأس الحركة الجماهيرية، حتى فيما يتعلق بالمطالب الجزئية الصغيرة التي لا يتردد المستعمرون عادة في تلبيتها لغرض امتصاص النقمة (وقد أدرك البريطانيون متأخرين هذه الإمكانية التي خفف من إلحاحها بالنسبة لهم وجود العميل الصهيوني الأكفأ) ثالثاً: العنف اليهودي (الحاميات- شعار اليد العاملة اليهودية فقط - الخ) مضافاً إلى العنف الاستعماري (الطريقة التي قمعت فيها انتفاضة 1929).
إن الحديث عن ثورة 36-1939 يستلزم وقفة خاصة عند الشيخ عز الدين القسام، فبالرغم من الكثير الذي كتب عنه إلا أنه بوسعنا أن نقول بأن هذه الشخصية الفريدة ما تزال، وربما ستظل، شخصية مجهولة في الحقيقة. أن معظم الذي كتب عنه قد مسه من الخارج فحسب. وبسبب هذه السطحية في دراسة شخصيته لم يتردد عدد من المؤرخين اليهود في اعتباره "درويشاً متعصباً"، فيما أهمله الكثيرون من المؤرخين الغربيين، وفي الواقع يبدو أن الإخفاق في إدراك العلاقة الجدلية بين الدين والنوازع الوطنية في العالم المتخلف هو المسؤول عن التقليل من أهمية الحركة القسامية. ولكن مهما كان الرأي في أفكار القسام، فمما لا ريب فيه أن حركته (12/11/1935 – 19/11/1935) كانت نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماً في تقرير شكل متقدم من أشكال النضال، إذ أنها وضعت زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية، التي كانت قد انشقت على نفسها وتشتتت وتشرذمت، أمام امتحان لا يمكن الفرار منه.
ولعل شخصية القسام تشكل في حد ذاتها نقطة التقاء رمزية لمجموعة هائلة من العوامل المتداخلة التي تشكل في مجموعها ما صار يسمى تبسيطاً بالقضية الفلسطينية: فـ "سوريته" (هو من مواليد جبلة، قضاء اللاذقية، 1871) تمثيل للعامل القومي العربي في المعركة. و"أزهريته" (فقد درس في الأزهر) تمثيل للعامل الديني – الوطني الذي كان يمثله الأزهر في بداية القرن. و"نضاليته" ( فقد اشترك في ثورة جبل حوران السورية ضد الفرنسيين من 1919-1920 وحكم بالإعدام) هي تمثيل لوحدة النضال العربي.
وقد جاء القسام مع الشيخ محمد الحنفي (المصري) والشيخ علي الحاج عبيد إلى حيفا في 1921 وبدأ لتوه العمل في إنشاء حلقات سرية. إن ما يلفت النظر في النشاط القسامي عقله التنظيمي المتقدم، وصبره الحديدي: فقد رفض عام 1929 الاندفاع في الإعلان عن وجوده المسلح، وبالرغم من أن هذا الرفض قد أدى إلى انشقاق في تنظيمه، إلا أنه استطاع أن يظل متماسكاً وسرياً . ويقول أحد القساميين المعروفين(67) أن القسام برمج ثورته في أربع مراحل: الإعداد النفسي ونشر روح الثورة، إنشاء حلقات سرية، تشكيل لجان لجمع التبرعات ولجان لشراء السلاح، ولجان تدريب، ولجان أمن وتجسس، ولجان دعاية وإعلام، ولجان اتصالات سياسية. ثم الثورة المسلحة.
إن معظم العارفين بالقسام يقولون أن خروجه إلى تلال يعبد مع 25 من رجاله ليل 12/11/1935 لم تكن غايته إعلان الثورة المسلحة، ولكن نشر الدعوة للثورة، إلا أن اشتباكاً عرضياً أدى إلى افتضاح أمر وجوده هناك، وبالرغم من استبساله مع رجاله فقد قضت قوة بريطانية على مجموعته بسهولة، ويبدو أن الشيخ القسام، حين شعر بأنه لم يعد بوسعه توسيع الثورة مع رفاقه، رفع شعاره المشهور: "موتوا شهداء". ومن حق القسام أن نفهم شعاره هذا فهماً "غيفاريا" إذا جاز التعبير، ولكن على المستوى الوطني العادي، إن سلوك القسام من خلال الشهادات القليلة التي نملكها عنه تدل على أنه كان يدرك أهمية دوره كمفجر لبؤرة ثورية أمامية. وما لبث هذا الشعار أن أثمر على التو: فقد شيعت الجماهير جثمان شهيدها مشياً على الأقدام إلى قرية ياجور مسافة 10 كيلو مترات، على أن أهم ما في الأمر كان افتضاح القيادات التقليدية أمام التحدي الذي مثله الشيخ القسام. وقد شعر هؤلاء القادة بهذا التحدي بنفس المقدار الذي شعر فيه الانتداب البريطاني. ويقول أحد القساميين أنه قبل أن يصعد القسام إلى الجبال بشهور قليلة أرسل إلى الحاج أمين الحسيني بواسطة الشيخ موسى العزراوي يطلب منه التنسيق لإعلان الثورة في جميع أنحاء البلاد، إلا أن الحسيني رفض، بحجة أن الظروف لم تنضج بعد(68).
وعندما استشهد القسام لم يسر في جنازته إلا الفقراء، واتخذ الزعماء موقفاً فاتراً ما لبثوا أن أدركوا خطأه، فقد شكل استشهاد القسام حدثاً بارزاً لم يكن بوسعهم تجاوزه بالتجاهل، والدليل على ذلك أن ممثلي الأحزاب الفلسطينية الخمسة قاموا بزيارة المندوب السامي البريطاني بعد ستة أيام فقط من استشهاد القسام، وقدموا له مذكرة لعلها من أندر المذكرات صفاقة، فقد اعترفوا بـ "أنهم إذا لم يتلقوا عن مذكراتهم هذه جواباً يمكن اعتباره بصورة عامة مرضياً، فإنهم سيفقدون كل ما يملكونه من نفوذ على أتباعهم، وعندئذ تسود الآراء المتطرفة غير المسؤولة، وتتدهور الحالة سريعاً"(69). فمن الواضح أنهم كانوا يريدون توظيف ظاهرة القسام لتحقيق خطوة إلى الوراء. على أن الشهيد القسام كان قد فوت عليهم، بالشكل النضالي الذي قرره، فرصة التراجع، وهذا في الواقع ما يفسر اختلاف موقف الزعماء الفلسطينيين من استشهاد الشيخ القسام فور حدوثه عن موقفهم في الاحتفال الأربعيني باستشهاده، فقد اكتشفوا خلال هذه الأيام الأربعين أنهم إذا لم يحاولوا ركوب الموجة الشامخة التي فجرها القسام، فإنها ستطويهم، ولذلك قفزوا من الفتور في جنازته، إلى المهرجانات والخطابات في اليوم الأربعين لاستشهاده.
ويبدو أن الحاج أمين الحسيني سيظل فيما بعد شاعراً بهذه الثغرة، وحتى بعد أكثر من عشرين سنة ستظل مجلة "فلسطين" الناطقة بلسان الهيئة العربية العليا، تحاول الإيحاء بأن الحركة القسامية إنما كانت جزءاً من نشاط الحركة التي كان يقودها المفتي، وأن هذا الأخير والقسام، كانا "أصدقاء شخصيين"(70).
أما البريطانيون فقد رووا قصة القسام في تقريرهم السنوي الذي جرى تقديمه إلى لجنة الانتدابات في جنيف عن وقائع 1935 كما يلي: "انتشرت في الجو إشاعات عن عصابة للإرهاب تألفت بوحي من عوامل سياسية دينية، وفي يوم 7 تشرين الثاني 1935 كان جاويش ونفر من البوليس يقتفيان أثر سرقة في هضاب قضاء الناصرة فأطلق مجهولون النار فقتلوا الشاويش ... وسرعان ما أدى هذا الحادث إلى اكتشاف عصابة كانت في ذلك الجوار تحت قيادة عز الدين القسام، وهو لاجئ سياسي من سوريا، وهو ذو مكانة ليست بالقليلة كرجل من رجال الدين، وقد اشتبه به اشتباهاً قوياً قبل ذلك ببضع سنوات، وقيل أن له ضلعاً في أعمال إرهابية. ولقد حضر جنازة الشيخ القسام في حيفا جمع غفير جداً، وبالرغم من الجهود التي بذلها كبار المسلمين في توطيد النظام أثناء الجنازة إلا أنه وضعت مظاهرات وقذف أحجار، وبعثت وفاة القسام موجة قوية من الشعور في الدوائر السياسية وغيرها في البلاد، واتفقت آراء الصحف العربية على تسميته بالشهيد فيما كتبته عنه من المقالات .."(71).
وقد شعر البريطانيون بدورهم بالتحدي الذي مثله استشهاد القسام، وحاولوا بدورهم شد عقارب الساعة إلى الوراء، ولذلك كان رأي المندوب السامي البريطاني الذي كتبه لوزير المستعمرات في تلك الفترة بأنه ما لم تلب مطالب الزعماء العرب "فإنهم سيفقدون ما يملكونه من نفوذ وتختفي بالتالي إمكانات تهدئة الحالة الحاضرة بالوسائل المعتدلة التي اقترحتها"(72). ولكن إعادة عقارب الزمن إلى الوراء كانت مستحيلة، فحركة القسام كانت تعبيراً في الواقع عن الشكل الطبيعي القادر على معالجة ازدياد التناقض وحسمه، وسرعان ما انعكست في عدد من اللجان والتجمعات، وصار يتعين على القيادة التقليدية أن تختار بين الوقوف في وجه ذلك التصاعد في إرادة القتال لدى الجماهير، أو في امتصاص هذه الرغبة والتكلس فوقها. وبالرغم من أن البريطانيين تحركوا بسرعة، فعرضوا فكرة إقامة مجلس تشريعي وفكرة الحد من بيع الأراضي إلا أن ذلك جاء متأخراً، وأسهمت الحركة الصهيونية التي بدأت في تلك الفترة تبلور إرادتها بصورة قوية في إضعاف فاعلية العرض البريطاني، ومع ذلك فإن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن قد حسمت موقفها بعد، وكان تذبذبها بارزاً بصورة تدعو للدهشة، وحتى 2 نيسان 1936 كان ممثلو الأحزاب الفلسطينية مستعدين لتشكيل وفد للذهاب إلى لندن لطرح وجهة نظرهم أمام الحكومة البريطانية.
وقد انفجر الموقف قبل أن تقرر قيادة الحركة الوطنية تفجيره. فحين اندلعت شرارة شباط 1936 في يافا كان زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية يعتقدون أنه ما زال بوسعهم أن يكسبوا من بريطانيا مطالب جزئية عن طريق المفاوضات. ولكن الأحداث التالية فاجأتهم: إن جميع المقربين من أحداث نيسان 1936 يعترفون بأن اندلاع العنف، والعصيان المدني، كان عفوياً، وإذا استثنينا الأعمال التي حركها بقايا القساميين، فإن كل ما حدث كان تعبيراً عفوياً عن المستوى الحرج الذي وصله التناقض. وحتى عند إعلان الإضراب العام في 19 نيسان 1936 كانت زعامة الحركة الوطنية متخلفة عنه، ولكنها سرعان ما تعلقت بالقطار فبل أن يفوتها، ونجحت - للأسباب التي ذكرناها في تحليل الوضع الاجتماعي السياسي في فلسطين آنذاك - بالسيطرة على الحركة الوطنية.
كانت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة، من الناحية التنظيمية، في عدد من الأحزاب هي في مجملها الإفرازات التي تبقت عن الحركات التي نشأت ضد العثمانيين منذ أوائل القرن، وهذا يعني أنها - من جهة - لم تكن متمرسة بالنضال الاستقلالي (مثلما كان الحال في مصر مثلاً) ويعني-من جهة أخرى - أنها كانت إطارات عامة، دون مبادئ محددة، تحكمها شلل من الوجهاء، وتعتمد على ولاءات منحدرة إليها من نفوذها الديني أو الإقطاعي أو الوجاهي، ولكنها لم تكن أحزاباً لها قواعد منظمة. وفيما عدا القسام نفسه (والشيوعيون طبعاً) فإن أحداً من زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية في هذه الفترة لم يكن مسلحاً بعقل تنظيمي. أما الحاج أمين الحسين، الذي كان يمتلك قدرات إدارية نادرة فقد كان عقله بعيداً عن العقل التنظيمي بالمعنى النضالي. وإن المسؤوليات التنظيمية ظلت في معظم الوقت مواهب فردية في اللجان الفرعية والكادر الأوسط، وغالباً ما كانت تعجز عن تحول كفاءاتها إلى قوانين.
عشية الثورة كان وضع ممثلي الحركة الوطنية في فلسطين كالتالي: فمع انحلال اللجنة التنفيذية العربية في آب 1934 برزت 6 مجموعات:
1- الحزب العربي الفلسطيني آيار 1935، يرأسه جمال الحسيني، وهو ممثل تقريباً لسياسة المفتي ويمثل الإقطاعيين وكبار تجار المدن.
2- حزب الدفاع الوطني، يرأسه راغب النشاشيبي، وتأسس في كانون الأول 1934، وهو يمثل البرجوازية المدينية الناشئة، وكبار الموظفين.
3- حزب الاستقلال الذي كان قد تأسس عام 1932 برئاسة عوني عبد الهادي، وهو يجمع المثقفين والبرجوازية الوسطى وبعض قطاعات البرجوازية الصغيرة، وساعد ذلك على بروز دور خاص للجناح اليساري فيه.
4- حزب الإصلاح الذي أسسه الدكتور حسين الخالدي في آب1935، وهو ممثل لعدد من المثقفين.
5- حزب الكتلة الوطنية الذي يرأسه عبد اللطيف صلاح.
6- حزب الشباب الفلسطيني الذي يرأسه يعقوب الغصين.
إن هذا التعدد في فصائل العمل الوطني كان شكلياً، ولم يكن يعبر تعبيراً واضحاً وحاسماً عن الخارطة الطبقية في البلاد، فالأكثرية الساحقة من الجماهير لم تكن ممثلة فيه (يقول نيفيل باربور أن 90 بالمائة من الثوار كانوا فلاحين يعتبرون أنفسهم متطوعين). وإذا نظرنا إلى التوزيع الطبقي في فلسطين في 1931 نرى أن 59 بالمائة من العرب كانوا فلاحين (19.1 بالمائة من اليهود) و 12.9بالمئة من العرب يعملون في البناء والصناعة والتعدين ( 30.6 بالمائة من اليهود) و 6 بالمائة من العرب يعملون في المواصلات، و 8.4 بالمائة بالتجارة، و 1.3 بالمائة في الإدارة ..الخ (73).
إن ذلك يعني بأن الغالبية الساحقة من السكان لم تكن ممثلة في هذه الأحزاب التي بالرغم من أنها تمثل الإقطاع ورجال الدين والكومبرادورية المدينية وقطاعات معينة من المثقفين فقد كانت دائماً خاضعة في تحالفها لزعامة المفتي وطبقته، هذه الطبقة التي مثلت الإقطاع - الاكليريكي والتي كانت أكثر وطنية من الزعامة التي مثلت البرجوازية المدينية.
أما البرجوازية المدينية فقد مثلها الأفندية في فترة كانوا يتجهون فيها نحو توظيف أموالهم في الصناعة والأعمال ( وقد تبلور هذا الاتجاه بعد هزيمة ثورة 36-1939 ). وكانت البرجوازية الصغيرة بالإجمال، (التجار الصغار وأصحاب الدكاكين والمعلمون والموظفون وأصحاب الحرف) دون زعامة، وكانت، كطبقة، غير ذات نفوذ وغير ذات أهمية تحت الحكم التركي الذي اعتمد على طبقة الأفندية التي أعطاها الأتراك حق الحكم المحلي بصفتها نمت حول الأرستقراطية الإقطاعية. أما الحركة العمالية فقد كانت ضعيفة وناشئة، ومع ذلك تعرضت إلى عسف السلطة من جهة أولى، والمنافسة الساحقة للبروليتاريا والبرجوازية اليهودية من جهة ثانية، ولاضطهاد زعامة الحركة الوطنية العربية من جهة ثالثة.
وقبل تشكيل اللجنة العربية العليا في 25 نيسان1936 برئاسة الحاج أمين الحسين ، كان جمال الحسيني زعيم الحزب العربي مستاء من نمو اعتقاد لدى الناس بأن الإنكليز هم العدو الحقيقي، وكان حزب الدفاع الوطني الذي يمثل بالدرجة الأولى الكومبرادور المديني النامي غير ميال أصلاً للصدام مع البريطانيين صداماً مفتوحاً. قبل ذلك بيومين اثنين فقط، أي في 23 نيسان 1936، ألقى وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية آنذاك، خطاباً في تل أبيب وصف فيه الصراع العربي – الصهيوني، الآخذ في التفجر، بأنه صراع بين عناصر الهدم وعناصر العمران، واضعاً بهذا الوصف القوي الصهيونية في مكانها من الآلة الاستعمارية عشية الصدام المسلح. كان ذلك هو الموقف على طرفي الميدان عشية الثورة!
في الريف اتخذت الثورة طابع العصيان المدني والعصيان المسلح، وتقاطر المئات من المسلحين للالتحاق بالعصابات التي أخذت تنتشر في الجبال، وكان الامتناع عن دفع الضرائب قد أقر في مؤتمر 7 أيار 1936 الذي عقد في كلية روضة المعارف الوطنية في القدس وحضره حوالي 150 مندوباً يمثلون عرب فلسطين، وإن استعراضاً بسيطاً لأسماء المؤتمرين كما أوردها عيسى السفري(74) يدل بأنه قد تم في هذا المؤتمر بالذات تكريس قيادة الحركة الجماهيرية لحلف واه بين الزعامات الإقطاعية الدينية وبين البورجوازية التجارية المدينية وبين عدد محدود من المثقفين، وكان القرار الذي اتخذ في هذا المؤتمر موجزاً، ولكنه يعبر تعبيراً واضحاً عن المدى الذي كانت قيادة من هذا النوع قادرة على الذهاب إليه:
"قرر المؤتمر بالإجماع إعلان الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراً من يوم 15 أيار 1936 الحالي، إذا لم تغير الحكومة البريطانية سياستها تغييراً أساسياً تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية".
لقد وجه البريطانيون ضربتهم، في الرد على العصيان المدني والعصيان المسلح، نحو مفصلين:
الأول الكادر التنظيمي الذي كان بالإجمال أكثر ثورية من القيادة، والثاني الجماهير الفقيرة المشتركة في الثورة والتي لم تكن تتمتع في الحقيقة إلا بحماية سلاحها ذاته. ذلك يفسر إلى حد بعيد أن العنصرين الوحيدين اللذين يتمتعان بكفاءة تنظيمية نسبية في قيادة الثورة، وهما عوني عبد الهادي ومحمد عزة دروزة، قد جرى اعتقالهما، فيما لم يتعرض الآخرون إلى اعتقال أو مضايقة تصل إلى حد الشل الكلي، ويدل على ذلك أنه تم اعتقال 61 مناضلاً عربياً من المسئولين عن تنظيم الإضراب (الكادر الوسط)، وذلك في 23 أيار، إلا أن هذا الاعتقال لم يمنع بريطانيا من منح تأشيرة سفر إلى أربعة من زعماء الثورة، هم جمال الحسيني وشبلي الجمل وعبد اللطيف صلاح والدكتور عزت طنوس للسفر إلى لندن ومقابلة وزير المستعمرات وذلك في 12 حزيران. ومثل هذا الحادث الذي سيتكرر بإطراد طيلة الأشهر والسنوات التالية ليس غريباً، فقد كان المندوب السامي البريطاني يلاحظ بارتياح شديد أن "خطب يوم الجمعة قد اقترنت بدرجة من الاعتدال تفوق بكثير ما كنت أتوقعه، في وقت بلغت فيه حدة المشاعر عمقاً كبيراً، والفضل في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى المفتي"(75).
لقد تبلور الموقف منذ البدء بأن اعتبرت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية الثورة الجماهيرية مجرد ضاغط يهدف إلى تحسين أوضاعها كطبقة لدى الاستعمار البريطاني، وقد أدرك البريطانيون هذا الواقع إدراكاً عميقاً وتصرفوا وفقه، ولكنهم مع ذلك لم يكلفوا أنفسهم عناء منح تلك الطبقة الامتيازات التي تطمح لها، فقد كانت لندن مصرة على تلبية التزاماتها إزاء تسليم الإرث الاستعماري في فلسطين للحركة الصهيونية، وعلى العكس تماماً، فان سنوات الثورة 36-39 كانت السنوات التي رمى الاستعمار البريطاني بثقله،خلالها، لإنجاز مهمة تصليب الوجود الصهيوني وإيقافه على قدميه كما سنرى فيما بعد. وقد نجح البريطانيون في تحقيق ذلك خلال وسيلتين: الأولى هي ضرب فقراء الفلاحين الثائرين بعنف لا مثيل له، والثانية استخدام نفوذهم الواسع لدى الأنظمة العربية، التي لعبت دوراً كبيراً في تصفية الثورة:من الجهة الأولى لعب قانون الطوارئ البريطاني دوره بفعالية، ويورد السفري مجموعة أحكام صدرت آنذاك للتدليل على عسف هذا القانون: "ست سنوات حبس لحيازة مسدس – 12 سنة لحيازة قنبلة - خمس سنوات مع الأشغال الشاقة لحيازة 12 رصاصة - 8 أشهر بتهمة تضليل فريق من الجند عن الطريق - تسع سنوات بتهمة حيازة مفرقعات - 5 سنوات لمحاولة شراء ذخيرة من الجنود - أسبوعان حبس لحيازة عصا" ...الخ (76). ووفق تقرير بريطاني قدم إلى عصبة الأمم فان عدد القتلى العرب خلال ثورة 1936 يبلغ حوالي الألف، هذا عدا عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين. واستخدم البريطانيون سياسة نسف البيوت على نطاق واسع، فبالإضافة إلى عملية نسف وهدم جزء من مدينة يافا (18 حزيران 1936) ويقدر عدد البيوت التي نسفت فيها بـ 220 وعدد الذين شردوا نتيجة النسف بـ 6 آلاف نسمة، نقول، بالإضافة إلى ذلك جرى هدم مائة تخشيبة في الجبالية و 300 في أبو كبير، و 350 في الشيخ مراد و 75 في عرب الداودي، ومن الواضح أن سكان الأحياء التي هدمت في يافا، والتخشيبات في ضواحيها هم من فقراء الفلاحين الذين هجروا الريف إلى المدن، أما في القرى فقد عدد السفري حوالي 143 بيتاً جرى نسفها لأسباب تتعلق مباشرة بالثورة(77). وهذه البيوت تخص فقراء الفلاحين وبعض الفلاحين المتوسطين وعدداً يسيراً جداً من العائلات الإقطاعية. ومن الجهة الثانية بدأ الأمير عبد الله أمير شرق الأردن، ونوري السعيد، نشاطهما للتوسط لدى الهيئة العربية العليا، إلا أن هذه الوساطات لم تفلح بالرغم من استعداد الزعامات لتلبيتها، ولكن الحركة الجماهيرية كانت حتى ذلك الوقت (آب 1936) غير قابلة للتدجين بعد، على أن هذه الاتصالات أثرت تأثيراً سلبياً على الثورة، وتركت في الجو شعوراً بأن التناقض القائم هو تناقض قابل للتسوية، وبالفعل فإن هذه البداية التي بدت فاشلة ستحقق نجاحاً كاملاً في تشرين الأول من العام نفسه، أي بعد حوالي ستة أسابيع فقط!
على أن هذه الصلات لم تكن الشكل الوحيد لجدلية العلاقات بين فلسطين والبلدان العربية المجاورة، فقد كانت هذه الجدلية أكثر تعقيداً، وتعكس مجمل التناقضات المركبة، وكنا قد لاحظنا ما مثله القسام في هذا المجال، والواقع أن الظاهرة القسامية بهذا المعنى استمرت بالحدوث، فقد تدفق إلى فلسطين عدد كبير من المناضلين العرب مثل سعيد العاص (الذي استشهد في تشرين الأول 1936) والشيخ محمد الأشمر وغيرهما الكثير، على أن التدفق هذا شمل أيضاً عدداً من الضباط الوطنيين المغامرين، وأبرز هؤلاء كان فوزي القاقوجي الذي ما لبث بعد دخوله إلى فلسطين في آب1936، على رأس عصابة صغيرة، أن أعلن نفسه قائداً عاماً للثورة وبالرغم من أن هؤلاء قاموا بتحسين تكتيكات الثوار وتوسيعها إلا أن العبء الأكبر من العنف الثوري في الريف، والعمل الفدائي في المدن، ظل يتحمله الفلاحون المعدمون بالدرجة الأولى.
والواقع أن"الضباط" الذين بزغوا من صفوف الفلاحين أنفسهم ظلوا هم الذين يلعبون الدور الرئيسي، ولكن معظمهم كان يخضع لقيادة المفتي، ومع ذلك فهم الذين يمثلون البطولة الأسطورية للجماهير في هذه الثورة.
وبالرغم من أن الموظفين البريطانيين في فلسطين لم يكونوا يوافقون تماماً على سياسة لندن، المستميتة في دعم الحركة الصهيونية، والذين كانوا يرون أن هناك متسعاً لزعامة طبقية عربية ليست مرتبطة المصلحة بالثورة، للتعامل مع الاستعمار، إلا أن بريطانيا قررت كما يبدو، نهائياً، في19 حزيران 1936 "أهمية الارتباط العضوي بين سلامة المصالح البريطانية وبين نجاح الصهيونية في فلسطين"(78). وقررت بريطانيا دعم قوتها في فلسطين، وزيادة إجراءاتها القمعية هناك.
و قد تزعزعت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية وفقدت أعصابها وانتابها الخوف في أعقاب ذلك القرار، وسارع الحاج أمين الحسيني وراغب النشاشيبي وعوني عبد الهادي لمقابلة المندوب السامي البريطاني، ويبدو من تقارير بعث بها المندوب المذكور آنذاك إلى حكومته أن هؤلاء هم الذين شددوا بالإحياء بأنهم مستعدون لإنهاء الثورة"إذا طلب منهم ملوك العرب ذلك". إلا أن هؤلاء لم يجرءوا قط على الاعتراف أمام الجماهير بأنهم هم أصحاب تلك الفكرة الملتوية بل كرروا نفيها عدة مرات وإثر ذلك تدفقت أعداد كبيرة من الجنود البريطانيين تقدر بعشرين ألف جندي إلى فلسطين، وفي 30أيلول 1936 بعد استكمال وصول القوات البريطانية، صدر مرسوم بالأحكام العرفية، وضاعفت سلطة الانتداب خطها القمعي المتصلب.
وقد شهد أيلول وتشرين الأول أعنف المعارك، وهي المعارك الأخيرة في الواقع التي شملت جميع أنحاء فلسطين تقريباً آنذاك، وفي 11/10/1936وزعت اللجنة العربية العليا بياناً يطلب إنهاء الإضراب، وبالتالي الثورة، "ولما كان الامتثال لإرادة أصحاب الجلالة و السمو ملوك العرب، والنزول على إرادتهم، من تقاليدنا العربية الموروثة، وكانت اللجنة العربية تعتقد اعتقادا جازماً أن أصحاب الجلالة والسمو لم يأمروا أبناءهم إلا لما فيه مصلحتهم وحفظ حقوقهم، لذلك فاللجنة العربية العليا، امتثالاً لإرادة أصحاب الجلالة والسمو الملوك والأمراء، واعتقاداً منها بعظم الفائدة التي تنجم عن توسطهم ومؤازرتهم، تدعوا الشعب العربي الكريم إلى إنهاء الإضراب والاضطراب إنفاذاً لهذه الأوامر السامية التي ليس لها من هدف إلا مصلحة العرب"(79).
بعد ذلك بشهر واحد بالضبط (في 11/11/1936) تعلن "القيادة العامة للثورة العربية في سوريا الجنوبية-فلسطين" في بلاغ وقعه فوز الدين القاقوجي، أنها "تطلب توقيف أعمال العنف تماماً، وعدم التحرش بأي شئ يفسد جو المفاوضات التي تأمل فيهم الأمة العربية الخير، ونيل حقوق البلاد كاملةً"(80).
وبعد عشرة أيام تصدر القيادة المذكورة بيانا آخر يعلن "ترك الميدان اعتمادا على ضمانة الملوك والأمراء العرب وحفظاً لسلامة المفاوضات"(81).
ويقول جميل الشقيري: "فطوعاً لأوامر الملوك والأمراء انحل الإضراب، وأوقفت أعمال الثورة بظرف ساعتين على إعلان النداء"!(82).
ورغم أن بريطانيا قامت في تلك الفترة بتحدي القيادات الفلسطينية بالضبط في النقطة التي خدعوا فيها الجماهير، وهي المتعلقة بموضوع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأن هذه القيادات قررت مقاطعة اللجنة الملكية (لجنة بيل) إلا أن الملوك والأمراء العرب أرغموا هذه القيادات مرة أخرى في أقل من ثلاثة شهور، على الطاعة فقد كتب الملك عبد العزيز آل سعود والملك غازي رسائل إلى الحاج أمين الحسيني تقول"... وبالنظر لما لنا من الثقة بحسن نية الحكومة البريطانية لإنصاف العرب، فقد رأينا أن المصلحة تقضي الاتصال باللجنة الملكية". على أن هذا الحادث، الذي يبدو جزئياً، مزق ذلك التحالف في قيادة الحركة الوطنية، إذ أن القوى التي كانت تقف إلى يمين الحاج أمين الحسيني، والتي يتزعمها حزب الدفاع سارعت إلى معارضة قرار مقاطعة لجنة بيل، وأبدى الحزب عدة دلائل تشير إلى رغبته في قبول مشروع التسوية التي كانت بريطانيا ستعرضه، وقد استند زعماء هذا الحزب، الذي كان يمثل بالدرجة الأولى أفندية المدن، إلى التذمر الذي أصاب كبار التجار العرب في المدينة نتيجة الإضراب، وإلى التخلخل الذي طرأ على مصالح البرجوازية المدينية التي كانت تعتمد على علاقات اقتصادية وطيدة ممثلة بوكالاتهم عن الصناعة البريطانية وأحياناً اليهودية.
وساندت الأنظمة العربية، خصوصاً نظام شرق الأردن، موقف هذا اليمين بكل قوة، ولم يكن عند الحاج أمين الحسيني وما يمثله أي حافز للميل إلى جهة اليسار الذي كان عملياً قد بدأ يعمل على تصفيته، وهكذا شرع موقفه يزداد تذبذباً وتردداً، وبدا أنه أضحى في موقع لا يستطيع معه المضي بالثورة ولا حتى خطوة إلى الأمام، كما أن التراجع إلى الوراء لم يعد يفيده، ومع ذلك فحين اعتقد البريطانيون أن تصفية المفتي سياسياً أضحت ممكنة خلال فترة الهدوء التي أعقبت إنهاء الإضراب اكتشفوا أن ذلك ليس صحيحاً، وأن يمين المفتي ما زال أضعف بكثير من أن يضبط الموقف، واستمر المندوب السامي البريطاني، بخبث، يدرك ضخامة الدور الذي يستطيع المفتي لعبه وهو محصور بذلك الموقف بين حزب الدفاع عن يمينه وحزب الاستقلال (جناحه اليساري) وحركات الشبيبة المثقفة عن يساره، كان هذا المندوب السامي يدرك قدرة بريطانيا على الاستفادة من الهامش الواسع القائم بين "صلابة القرويين الذين قاومونا ستة أشهر وهم يتلقون أجوراً ضئيلة ولا يقدمون على النهب" وبين "ضعف أو انعدام الصفات القيادية العظيمة لدى أعضاء اللجنة (العربية العليا) العشرة "(83).وقد اتضحت صحة نظرة المندوب السامي إلى الدور المحدود الذي يستطيع يمين المفتي أن يلعبه حين عجز حزب الدفاع عن الوقوف بوضوح أمام تقرير لجنة بيل الذي صدر في تموز1937 والذي اقترح التقسيم وإنشاء دولة يهودية.وقد اتضحت في الوقت ذاته،ضغط أولئك الذين يقفون على يسار المفتي إلى إفقاده اعتداله لم تكن خشية بلا أسباب، على أن ذلك الضغط لم يحدث من قبل الجهة التي توقعها المندوب السامي، بل من قبل الكادر الأوسط الذي كان ما يزال ممثلاً في اللجان القومية، والذي كان يمثل يومياً بأفواج من الفلاحين المعدمين والعمال العاطلين عن العمل في المدن والأرياف.وهكذا لم يكن أمام المفتي إلا أن يهرب إلى الأمام، فقد تجنب الاعتقال بأن اعتصم في الحرم الشريف، ولكن الأحداث دفعته إلى موقع لم يكن ليستطيع الوقوف فيه قبل ذلك بعام.ففي أيلول 1937أطلق أربعة من الفدائيين المسلحين النار على أندورز، حاكم الجليل فيما كان يخرج من الكنيسة الانغليكانية في الناصرة فأرادوه قتيلاً، "لقد كان أندروز الرسمي الوحيد الذي أدار الانتداب وفق ما كان يعتبره الصهاينة صحيحاً، وقد فشل في كسب ثقة الفلاحين العرب".كان العرب يعتبرونه صديقاً لليهود، وأن مهمته هي تسهيل انتقال لواء الجليل إلى الدولة اليهودية التي حددها مشروع التقسيم، كان الفلاحون العرب يكرهونه ويتهمونه بتسهيل بيع أراضي الحولة، أما الفدائيون الذين صرعوه فمن المعتقد أنهم ينضمون لإحدى خلايا السرية التي كانت للقساميين(84).
ومع أن اللجنة العربية العليا استنكرت هذا الحادث في الليلة ذاتها، إلا أن الموقف، تماماً كما كان الأمر عند استشهاد القسام كان قد خرج من بين أيدي المفتي وجماعته، وكان عليهم إذا ما أرادوا البقاء على رأس الحركة الوطنية، اللحاق بها وركب موجتها كما حدث في نيسان 1926.إلا أن هذه المرة كانت الاندفاعة الثورية عند الجماهير أشد عنفاً, ليس فقط بسبب الخيرات التي اكتسبوها أثناء تجربة العام الماضي, ولكن أيضا بسبب ازدياد وضوح التناقض القائم أمام أعينهم, ومن المؤكد أن هذه المرحلة من الثورة قد اتجهت بصورة جوهرية, أن لم نقل كلية, ضد البريطانيين وليس ضد الصهيونيين, وقد أفرز نمو التناقض المواقف إفرازاً اكثر حسماً:هيمن الفلاحون كلياً تقريبا على الثورة, وتراجع دور البرجوازية المدينية قليلاً إلى الوراء, وأخذ أثرياء الريف وكبار الفلاحين المتوسطين يترددون في مساندة الثوار, وانتقلت القوى الصهيونية إلى حالة هجومية فعالة.

 

 

ثورة 36-39 في فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل

 النقاط الثلاث

الخلفيات

العمال

الفلاحون

المثقفون

الثورة

مسألتان هامتان

الخسائر البشرية

سبب الركود

المراجع

عن مركز الدراسات الجماهيرية
فلسطين - غزة