|
مسألتان هامتان
إن مسألتين هامتين
في هذه المرحلة من الثورة، ينبغي التوقف عندهما:
الأولى:أن "العرب اتصلوا باليهود مقترحين التوصل
معهم إلى نوع من الاتفاق على أساس قطع العلاقات مع
بريطانيا قطعاً تاماً، ولكن اليهود رفضوا ذلك على
الفور لأنهم يعتبرون علاقاتهم ببريطانيا مسألة
جوهرية"(85). وقد ترافق ذلك مع ارتفاع عدد اليهود
الذين يخدمون في البوليس في فلسطين من 365 عام
1935إلى 682 عام 1936، وفي أواخر ذلك العام أذنت
الحكومة بتجنيد 1240 يهودياً كبوليس إضافي مسلح
ببنادق حربية، وارتفع العدد بعد شهر إلى
2863مجنداً (86). ولعب ضباط بريطانيون دوراً
بارزاً في قيادة مجموعات يهودية للهجوم على قرى
عربية. والثانية:أن وجود زعامة الثورة خارج فلسطين
(في دمشق) قد جعل دور القيادات المحلية المنحدرة
من أصل فلاحي فقير في معظمها دوراً أكبر مما كان
في الحقبة المنصرمة، وكان هؤلاء يرتبطون مع
الفلاحين ارتباطاً وثيقاً، وذلك يفسر، إلى حد
بعيد، المدى الأبعد الذي كان بوسع الثورة أن
تصله.لقد برز في هذه الحقبة، على سبيل المثال، عبد
الرحيم الحاج محمد كقائد محلي، ويقول الشيوعيون
أنهم كانوا يتصلون به ويزودونه بالمعلومات(87).
وكان من الممكن أن يشكل هذا التطور نقطة انعطاف
تاريخية في الثورة لولا ضعف "اليسار"، بمعناه
النسبي ومعناه الحقيقي، ولولا اضطرار هذه القيادات
المحلية للاحتفاظ بصلتها التنظيمية إلى حد معين
مع"اللجنة المركزية للجهاد" في دمشق، وذلك ليس فقط
بسبب الولاء التقليدي لها، ولكن أيضاً بسبب
اعتمادها بدرجة من الدرجات على تمويلها. في تاريخ
النضال الفلسطيني برمته لم تكن الثورة الشعبية
المسلحة أقرب إلى الانتصار مما كانت عليه في تلك
الشهور التي امتدت بين أواخر1937وأوائل1939. لقد
ضعفت في هذه الفترة سيطرة القوات البريطانية على
فلسطين ووصلت هيبة الاستعمار إلى الحضيض، وأصبحت
سمعة الثورة ونفوذها هما القوة الأساسية في
البلاد. إلا أن ما حدث في هذا الوقت أيضاً هو
ازدياد قناعة بريطانيا بأن عليها الاعتماد على
القوى الصهيونية إن هي أرادت سيطرة طويلة الأمد
على الوضع، وقد أعطاها الصهاينة حالة فريدة لم تكن
لها في أي من مستعمراتها.هذه الحالة هي توفر قوة
محلية لها مع الاستعمار البريطاني قضية مشتركة،
ومشحونة حتى أقصى الحالات ضد السكان المحليين.
في تلك الفترة بدأت بريطانيا تخشى من اضطرارها
لتحويل جزء من قوتها العسكرية لمواجهة المأزق
الأوروبي المتصاعد الحدة، ولذلك أخذت تميل باطراد
نحو "الإسراع في تنظيم قوة دفاع يهودية متطوعة،
بالإضافة إلى القوة القائمة وعددها6500 مسلح"(88).
وقد مضت قدماً في سياسة الاعتماد على القوة
المحلية الصهيونية وتسليمها جزءاً كبيراً من
واجبات القمع الذي كان يتسع، ومع ذلك فإنها لم
تقطع ذلك الجسر الذي كانت تتركه دائماً قائماً
بينها وبين قيادة الطبقات التي كان يتزعمها
المفتي، وقد لعب البريطانيون في هذا المجال
بالذات، وفي هذه الفترة بالتحديد، دوراً بارزاً في
إبقاء المفتي بمثابة الممثل غير المنازع لعرب
فلسطين، فقد كان إحتياطيهم من القيادة الواقفة على
يمين المفتي من اعتباره الزعيم الأوحد إلا عملية
"لا تبقى من يستطيع تمثيل العرب سوى قادة الثورة
في الجبال"(89)، على حد قول المندوب السامي
البريطاني لفلسطين، ولاشك أن ذلك من بين أسباب
أخرى ساعد على إبقاء الحاج أمين الحسيني على قمة
قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية رغم أنه كان قد
غادر مكان اختفائه في الأقصى، بأسلوب مثير، وظل في
دمشق منذ أواخر تشرين الأول1937.
إن العسف البريطاني الذي تصاعد بصورة غير متوقعة،
وتصاعد عمليات المداهمة والاعتقال الجماعي
والإعدام طوال 1937و1938 أنهكت الثورة، ولكنها لم
تضع حداً لها، وقد أدرك البريطانيون أن الثورة هي
في جوهرها ومادتها وقياداتها المحلية ثورة فلاحية،
وحين حاولت نتيجة ذلك، أن تمايز في تعاملها مع
المدينيين أدت الروح الثورية المهيمنة في فلسطين
بأجمعها إلى تعميم لباس الرأس الفلاحي (الكوفية
والعقال) في المدن، كي لا يخضع الريفي النازل إلى
المدينة لعسف السلطة، وبعد ذلك منع الجميع من حمل
هوياتهم الشخصية كي لا تكتشف السلطة الفلاح من
المدينى0
إن هذا الواقع يشير إلى طبيعة الثورة وإلى نفوذها
في تلك المرحلة إشارة واضحة للغاية، كان الريف،
بصورة عامة، هو رحم الثورة، وكانت عمليات احتلال
المدن المؤقتة في 1938 أثر هجمات يشنها
الفلاحون(90) من الخارج، وهذا يعني أن الفلاحين
والقرويين بصورة عامة هم الذين كانوا يدفعون الثمن
الأكبر. ففي عام 1938 أعدم عدد من الفلاحين لمجرد
حيازتهم على أسلحة، وأن استعراضاً سريعاً لجداول
أسماء أولئك الذين أرسلوا إلى السجن أو إلى
المشنقة ترينا أن الغالبية الساحقة كانوا من فقراء
الفلاحين، وعلى سبيل المثال فقد "حكم على جميع
سكان قرية عين كارم، وعددهم ثلاثة آلاف، أن يسيروا
عشرة كيلومترات يومياً ليثبتوا وجودهم لدى مركز
البوليس"(91) وفي تلك الفترة كانت بريطانيا قد
أصدرت أحكامها بالسجن، مدداً طويلة على حوالي 2000
عربي، وهدمت أكثر من 5آلاف بيت، وإعدام شنقاً في
سجن عكا 148 شخصاً، وبلغ عدد المعتقلين لمدد
مختلفة أكثر من خمسين ألفاً (92).
كانت بريطانيا، التي عدلت في تشرين الثاني 1938 عن
التقسيم الذي أوصى به تقرير لجنة بيل، أخذه في
محاولة كسب الوقت، وهنا يجيء مؤتمر المائدة
المستديرة الذي عقد في لندن في شباط 1939 نموذجاً
لتلك الصفقة المشبوهة التي كانت تجري طوال الوقت
بصمت بين قيادة الثورة الفلسطينية وبين
البريطانيين الذين كانوا يعرفون يقيناً استعداد
تلك القيادة للمساومة في أية لحظة، وبالطبع لم
يذهب جمال الحسيني وحده إلى المائدة المستديرة في
لندن، بل ذهب معه ممثلو الدول العربية "المستقلة"
آنذاك، وهكذا فقد قدر للأنظمة العربية التي كانت
خاضعة للاستعمار أن تملي إرادتها مرة ثانية في أقل
من عامين على عرب فلسطين، بوساطة ذلك الالتقاء
(الكامن والمحتمل) في مصالح جميع الذين كانوا
جالسين حول تلك المائدة المستديرة في لندن.
أن الكلمات التي ألقاها جمال الحسيني، والأمير
فيصل (ممثل السعودية) والأمير حسين (ممثل اليمن)
وعلي ماهر(ممثل مصر) ونوري السعيد (ممثل العراق) -
الذي أعلن أنه يتكلم "كصديق حميم لبريطانيا العظمى
والذي لا يرغب بقول كلمة واحدة تجرح شعور أي
بريطاني لأنه يشعر بصداقته نحوهم من أعماق
قلبه"(!)(93). أن تلك الكلمات لم تؤكد إلا نجاح
خطة بريطانيا التي احتفظت بها بدقة طوال عقد من
الزمن إزاء قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية: فهي
لم تفرط بها، وأبقتها دائماً على طرف جسر مفتوح،
وكان البريطانيون واثقين من أن العراق والسعودية
مستعدتان لاستخدام نفوذهما لدى زعماء فلسطين لوضع
نهاية للثورة وتهيئة أسباب النجاح للمؤتمر". ومع
ذلك فان الثورة في فلسطين لم تكن قد هدأت (حصيلة
شباط 1939 كانت، رسمياً:110 قتلى و 112 جريحاً في
12 معركة ضد البريطانيين. تفتيش 39 قرية _ منع
التجول في 3 مدن 3مرات. اعتقال حوالي 200 قروي،
حرائق في 5دوائر حكومية، إعدام 10 عرب بتهمة حمل
سلاح. هجمات على 10 مستعمرات يهودية. نسف أنابيب
النفط مرة، تفجير قطار حيفا واللد، إنشاء نقطة
تفتيش داخل المسجد الأقصى). وأن الأرقام
البريطانية التي يقدمها وزير المستعمرات البريطاني
تشير إلى أنه "بين 20 كانون الأول و20 شباط (أي في
شهرين) وقع 348 حادث اغتيال و140 حادث تخريب و190
حادث خطف و32 سرقة وانفجار 9ألغام و32 قنبلة وخسر
الجنود 18 قتيلاً و39 جريحاً وخسر الأهالي 83
قتيلاً و124 جريحاً، ولا تشمل هذه الأرقام ما أصاب
الثوار..(94)
وقد استمر الأمر على هذا المنوال حتى الشهر الذي
نشبت فيه الحرب العالمية الثانية (أيلول 1939)
تكبد خلالها الفلسطينيون العرب خسائر لم يكن من
الممكن تعويضها:كانت القيادة، بالإضافة لكل روح
المساومة التي تعيشها، موجودة خارج البلاد، أما
القيادات المحلية الناشئة فقد أخذت تسقط واحدة
وراء الأخرى في ميادين القتال، وكان العسف
البريطاني قد وصل إلى ذروته، وبدأ العنف الصهيوني
يصعد باضطراد منذ أواسط 1937، ولا شك أن التركيز
البريطاني والإصرار الذي رافقه في الساحة
الفلسطينية قد أنهك الثوار الذين باتوا، مع تراوح
قياداتهم، غير عارفين على وجه الدقة من كانوا
يحاربون ولماذا؟ فتارة كانت القيادة تتحدث عن
الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة، مع
بريطانيا، وتارة تصل إلى حد قبول منح إدارة ذاتية
لليهود في المناطق التي يتواجدون فيها، ولا شك أن
تذبذب القيادة ورخاوتها وعدم قدرتها على تحديد هدف
واضح للقتال قد أسهم في إنهاك الثورة. ولكن ذلك
يجب ألا يدفعنا إلى إهمال العامل الموضوعي. فقد
استخدم البريطانيون فرقتين عسكريتين وعدداً من
أسراب الطائرات والبوليس وقوة حرس الحدود الأردني
بالإضافة للقوة اليهودية المساعدة المؤلفة من
6آلاف، ورموا ذلك كله للهيمنة على الموقف، (وكانت
لجنة بيل قد اعترفت أن نفقات الأمن في فلسطين
ارتفعت من 862ألف جنيه لعام 1935إلى 2.223.000عام
1936). إن حملة الإرهاب هذه وخصوصاً المحاولات
التي بذلت لقطع الصلة بين الثوار وبين القرى، أدت
إلى إنهاك الثورة. وجاء استشهاد عبد الرحيم الحاج
محمد في آذار من 1939 بمثابة ضربة قاصمة للثورة إذ
فقدت واحداً من أكثر القادة الشعبيين الثوريين
شجاعة وحكمة واستقامة، و أخذت القيادات المحلية،
بعد ذلك، تنهار وتغادر ميادين القتال، ولا شك أن
التقارب الفرنسي البريطاني عشية الحرب الثانية قد
لعب دوره في محاصرة الثوار. فقد استسلم عارف عبد
الرزاق مع بعض أتباعه للفرنسيين بعد أن أنهكه
التشرد والجوع، و ألقت القوات الأردنية القبض على
يوسف أبو دره وسلمته للبريطانيين فاعدموه. وأدى
الإرهاب في القرى إلى خشية من دعم الثوار ومدهم
بالذخائر والطعام ولا شك أن انعدام الحد الأدنى من
التنظيم قد حال دون القدرة على تجاوز هذه
العراقيل.
لقد أرجح الحزب الشيوعي الفلسطيني آنذاك أسباب فشل
الثورة إلى خمسة أسباب رئيسية (95). غياب القيادة
الثورية، فردية قادة الثورة وانتهازيتهم، عدم وجود
قيادة مركزية لقوات الثورة، ضعف الحزب الشيوعي
الفلسطيني، عدم ملائمة الوضع العالمي. وهذه
الأسباب مجملها صحيحة، ولكن يجب أن يضاف إليها
تقرب الحزب الشيوعي إلى زعامة الحاج أمين الحسيني
الذي كان يراه "منتمياً إلى أكثر أجنحة الحركة
الوطنية تطرفاً في العداء للاستعمار" ويرى أعداءه
"إقطاعيين خونة "(96). مع العلم أن جماعة المفتي
لم تتوقف على الإطلاق في تصفية عناصر اليسار التي
كانت تحاول التغلغل في أوساط العمال. وكان اليسار
الشيوعي، بالإضافة إلى ضعفه, غير قادر علي الوصول
إلى الريف. كان متمركزاً في بعض المدن، وكان قد
أخفق في تعريب الحزب كما أوصى مؤتمر الكومنترن
السابع، ولم يكن هو الآخر قد قرر أهدافاً واضحة
للقتال، وكان ما يزال ضحية للنظرة القاصرة لمسألة
الوحدة العربية، ولعلاقات النضال القومية في الوطن
العربية التي كان لها انعكاسات تنظيمية. ويبدو أن
الخلل الرئيسي في هذه الهزيمة كان يكمن في تلك
الثغرة الكبيرة الناشئة عن الحركة السريعة للمجتمع
في فلسطين، الذي كان ينقلب بعنف شديد كما قلنا، من
مجتمع زراعي عربي إلى مجتمع صناعي يهودي، فذلك كان
على وجه التحديد السبب الذي غيب البورجوازية
الوطنية والبورجوازية الصغيرة العربية عن لعب
دورها التاريخي في الحركة الوطنية الفلسطينية
آنذاك، وأتاح للزعامات الإقطاعية الدينية فرصة
تزعم هذه الحركة لفترة طويلة دون منازع. ويضيف
الدكتور عبد الوهاب الكيالي أسباباً أخرى مهمة
بقوله: "إن التعب من القتال والضغط العسكري
المتواصل والأمل في أن تحقق بعض جوانب الكتاب
الأبيض، بالإضافة إلى معاناة العجز في الأسلحة
والذخائر، كل ذلك قد أسهم في عرقلة استمرار
الثورة، ثم أن اقتراب العالم من حافة الحرب
العالمية الثانية حمل الفرنسيين على قمع مقر رئاسة
الثوار في دمشق قمعاً تاماً"(97). ويمكننا أن نضيف
إلى ذلك كله عاملين هامين متداخلين يمكن الحديث
عنهما معاً لأنهما لعبا دوراً بارزاً في إجهاض
الثورة، وهما موقف شرق الأردن ممثلاً بموقف النظام
العميل الذي كان يتزعمه الأمير عبد الله آنذاك,
والنشاط الذي قام به عملاء الثورة المضادة في
الداخل على هامش النشاط الإرهابي الذي شنته القوات
البريطانية والقوات الصهيونية.
كان حزب الدفاع الذي يتزعمه راغب النشاشيبي يلعب
دور الممثل الشرعي لنظام شرق الأردن العميل داخل
الحركة الوطنية الفلسطينية، ولعل هذا الارتباط كان
نوعاً من التمويه بسبب عدم قدرة ذلك الحزب على كشف
علاقة العمالة التي كانت تربطه عملياً بالاستعمار
البريطاني وسط معركة كانت موجهة بالأساس ضد ذلك
الاستعمار ولذلك فقد كان الارتباط بالنظام الشرق
أردني نوعاً من التمويه المقبول من الطرفين. كان
حزب الدفاع عبارة عن حشد صغير من أفندية المدن
يمثلون بالدرجة الأولى مصالح البورجوازية
الكومبرادورية الصاعدة والتي بدأت تكشف أن وجودها
ونموها رهن بارتباطها ليس فقط بالاستعمار
البريطاني ولكن أيضاً بالحركة الصهيونية التي كانت
تسيطر على عملية التحول الصناعي للاقتصاد
الفلسطيني, وهذا الموقع الطبقي هو الذي جعل
تاريخهم يتلخص بأنهم "تعاونوا مع الاحتلال
إدارياً، ومع الصهيونية تجارياً، وباعوا الأراضي
إلى اليهود وسمسروا وزرعوا الشكوك وعرقلوا النشاط
الوطني وأحكموا الخطة بين عبد الله والحسين وبين
الصهيونيين في 1923-1924وأيدوا الهجرة والانتداب
في العشرينات، والتقسيم في الثلاثينات، ودعوا لوطن
قومي يهودي في جزء من فلسطين، وتسليم الجزء الآخر
إلى شرق الأردن ... الخ "(98).
وفي الوقت الذي كان الأمير عبد الله، أمير شرق
الأردن، يقمع حركة الجماهير الشرق أردنية التي
كانت قد قررت بمبادرتها الذاتية، منذ حزيران 1936،
في المؤتمر الشعبي الذي عقد برئاسة مثقال الفائز
في قربة أم العمد، دعم ثورة فلسطين بالرجال
والعتاد، كان البريطانيون قد قرروا اعتبار شرق
الأردن ميداناً متصلاً للقتال ضد الثوار
الفلسطينيين في تحركاتهم. ولم يقتصر الدور الذي
لعبه النظام الشرق أردني العميل على ذلك فحسب، بل
أغلق الطرق المؤدية إلى العراق ليمنع وصول أي
إمداد، وأخذ يعرقل حركة القادة الفلسطينيين الذين
اضطروا لزيادة حركتهم من شرق الأردن بعد بناء
الأسلاك الحاجزة على حدود فلسطين الشمالية، وتوج
هذا النظام نشاطه المضاد حين ألقى القبض على اثنين
من القادة الفلسطينيين في 1939، أحدهما يوسف أبو
درة، وسلمهما إلى البريطانيين حيث تم إعدامهما بعد
ذلك بشهور قليلة، كما سبق وذكرنا. في ذلك الوقت
بالذات كانت قوات النظام الأردني تنشط جنباً إلى
جنب مع القوات البريطانية والعصابات الصهيونية في
مطاردة الثوار والاشتباك معهم، ولا شك أن هذا
الدور الذي لعبه نظام شرق الأردن قد شجع عناصر
الثورة المضادة الداخلية على رفع مستوى أعمالها،
فقد أسهم عدد من قادة حزب الدفاع في إنشاء ما
أسموه بـ "فرق السلام"، وهي قوات صغيرة مرتزقة
"تكونت بالتعاون مع الإنكليز وساهمت في مطاردة
الثوار والاشتباك معهم، وزحزحتهم عن بعض المواقع
التي كانوا يسيطرون عليها، وكان فخري النشاشيبي
ممن كانوا ساهموا في تكوين هذه الفرق، وتسليحها،
وتوجيه نشاطها... مما أدى إلى مقتله بعد انتهاء
الثورة بعدة أشهر"(99) وقبل ذلك كانت الحملة
البريطانية الشرسة لنزع السلاح من جميع أنحاء
فلسطين قد اعتمدت على "تشجيع العناصر المعادية
للمفتي على تزويد (البريطانيين) بالمعلومات
والتعريف عن أشخاص الثوار"(100).
ولم يكن موقف العراق والسعودية، آنذاك، أفضل
كثيراً من موقف النظام الأردني، وكانا يبديان منذ
مؤتمر لندن استعدادهما "لاستخدام نفوذهما لدى
زعماء فلسطين لوضع نهاية للثورة"(101) ولكن ذلك
كله لم يكن قادراً على أن يجعل من زعماء الثورة
المضادة عملاء الإنكليز قوة لها وزنها الجماهيري،
وعلى العكس، كان يعزز من قوة المفتي وزعامته، ولكن
تشجيع عناصر الثورة المضادة كان يهدف، من جملة ما
يهدف إليه، ضبط المفتي وإبقاءه ضمن حظيرة يمكن
السيطرة عليها في نهاية الأمر، فقد تصرف
البريطانيون طوال الوقت وفق قناعتهم بأن النشاشيبي
لا يستطيع أن يكون بديلاً للمفتي. أما الهامش
الصغير الذي استخدمته قيادة المفتي، والناشئ عن
التناقضات الجزئية التي كانت قائمة بين الاستعمار
الفرنسي في سوريا ولبنان والاستعمار البريطاني،
فلم يكن ليستطيع أن يؤدي إلى تغيير جذري في ميزان
القوى، وما لبث هذا الهامش أن ضاق إلى حد الاختناق
عشية الحرب الثانية.
إن مجمل هذه الحقائق يشير إلى أن الثورة
الفلسطينية في 1936-1939 ضربت على مفاصلها
الثلاثة: المفصل الذاتي، بمعنى عجز وتذبذب وضعف
وذاتية وفوضى قيادتها المتخلفة. والمفصل العربي،
بمعنى تواطؤ الأنظمة العربية على إجهاضها في وقت
لم تتفاعل الحركة الوطنية العربية الشعبية
(الضعيفة) مع الثورة الفلسطينية إلا بصورة
انتقائية وذاتية وهامشية. والمفصل العالمي، بمعنى
الخلل الضخم في ميزان القوى الموضوعي، والناشئ عن
تحالف مجموع المعسكر الاستعماري فيما بينه، وكذلك
فيما بينه وبين الحركة الصهيونية التي صارت تتمتع
منذ ذلك الوقت بقوة محلية ضاربة لا يستهان بها
عشية الحرب العالمية الثانية.
|