ثورة 36-39 في
فلسطين- خلفيات و تفاصيل و تحليل |
|
الخسائر البشرية
إن افضل تقدير
للخسائر البشرية العربية في ثورة 1936-1939 هو ذلك
التقدير الذي يقول أن الخسائر في السنوات الأربع
هذه قد بلغت 19.792 ما بين قتيل وجريح، وهذا
التقدير يتناول الإصابات التي أصيب بها العرب على
أيدي العصابات الصهيونية في هذه الفترة. ويستند
هذا التقدير على الاعترافات الأولية المتحفظة التي
كانت تتضمنها التقارير الرسمية البريطانية مع
امتحانها على صعيد وثائق أخرى(102) ويثبت هذا
الإحصاء أنه في عام 1936 قتل 1200عربي وقتل 120 في
1937 و1200 في 1938 و1200 في 1939، كما تم إعدام
112 عربياً وقتل 1200 عربي في عمليات إرهابية
مختلفة، وذلك يجعل عدد القتلى العرب في ثورة 1936
–1939 حوالي 5032 قتيلاً وعدد الجرحى في الفترة
نفسها 14،760 عربيا ً (*). أما أعداد المعتقلين
فقد بلغت في 1937 حوالي 816 وفي 1938 حوالي 2463
معتقلاً وفي 1939 حوالي 5679 معتقلاً. ويمكن فهم
المعنى الحقيقي لهذه الأرقام من خلال المقارنات.
فبالنسبة لعدد السكان فإن خسائر الفلسطينيين
البشرية بين 36- 39 توازي خسارة البريطانيين لـ
200 ألف قتيل و600 ألف جريح ومليون و224 ألف
معتقل، أما بالنسبة للأميركيين فإنها توازي مقتل
مليون أميركي واصابة 3 ملايين بجروح واعتقال مليون
و120 ألف مواطن!
على أن الخسائر الحقيقية، والأكثر خطراً، كانت في
ذلك النمو السريع لأسس الوجود الاستيطاني الصهيوني
في فلسطين، عسكرياً واقتصادياً. وليس من المبالغة
بشيء القول بأن ذلك الوجود الاقتصادي والعسكري،
والذي تزايد ارتباطه بالإمبريالية وعبر عن نفسه
بكثافة في 1948 كان قد أرسى قواعده الرئيسية في
هذه الفترة الممتدة بين 1936 و1939.
ويذهب أحد المؤرخين الإسرائيليين إلى حد الإقرار
بأن "ظروف الانتصار في 1948 كانت قد خلقت إبان
فترة الثورة العربية (1936)"(103).
إن السياسة العامة التي اتبعها الصهاينة في هذه
الفترة يمكن رؤيتها في قرارهم العميق بتجنب إنشاء
أي تناقض بينهم وبين سلطة الانتداب البريطاني، حتى
حين كان هذا الانتداب، تحت وقع ضربات الثوار
العرب، يضطر إلى تجاهل بعض المطالب الحيوية للحركة
الصهيونية. وكان الصهاينة يعرفون كما يبدوا أنهم
إذا هيأوا للبريطانيين، الذين كانوا يقودون في تلك
الفترة أقوى وأعتى جيش استعماري في العالم، إذا
هيأوا له فرصة سحق الثورة العربية في فلسطين، فإنه
يكون قد قدم لهم تلقائياً أكبر خدمة يمكن
لمخططاتهم أن تحلم بها. وهكذا فقد سارت المخططات
الصهيونية الرئيسية على حطين متوازيين: من جهة:
التحالف إلى أقصى حد مع البريطانيين، حتى أن
المؤتمر العشرين للحركة الصهيونية الذي عقد في صيف
1937 أبدى استعداده لقبول التقسيم من خلال
المهادنة مع بريطانيا والإصرار على تجنب الصدام
معها، وذلك ليتيح للإمبراطورية الاستعمارية قمع
الثورة العربية التي تجددت في ذلك الصيف. ومن جهة
أخرى تعبئة التجمع الصهيوني الاستيطاني داخلياً
تعبئة متواصلة، تحت الشعار الذي أطلقه بن غوريون
آنذاك، والذي ينادي بـ "لا بديل"، وإرساء قواعد
المجتمع العسكري، و أدواته الحربية والاقتصادية.
وقد كانت مسألة الإصرار على مهادنة البريطانيين
إلى أقصى مدى، بالرغم من أن هؤلاء قاموا بخطوات
خفضوا فيها الهجرة اليهودية مثلاً، مسألة مركزية
في تاريخ السياسة الصهيونية في تلك الفترة، ورغم
أنه كان يوجد في داخل الحركة الصهيونية جهات ترفض
ما كان يسمى بـ "ضبط النفس"، إلا أن أصوات الأقلية
هذه لم تستطع أن تؤدي إلى نتيجة، فقد كان القانون
الذي يسوق خطوات الحركة الصهيونية في تلك الفترة
هو ذاك الذي لخصه وايزمن بقوله: "هناك تماثل مصالح
تام بين الصهيونية وإنجلترا في فلسطين". وخلال هذه
الفترة أدى التعاون والتداخل بين هذين الخطين،
التحالف مع الانتداب إلى أقصى مدى وتعبئة التجمع
الاستيطاني اليهودي، إلى نتائج خطيرة للغاية: فقد
انتهزت البورجوازية اليهودية انتشار الثورة
العربية لتنجز الكثير من المشاريع التي لم يكن
بوسعها أن تنفذها في ظروف مغايرة. وإذ تحررت هذه
البورجوازية، فجأة، من منافسة المنتوجات الزراعية
العربية التي كانت رخيصة الثمن(*) فقد راحت تنصرف
إلى تنمية وجودها الاقتصادي، ومن الطبيعي أنه لم
يكن من الممكن تنفيذ ذلك دون البركة البريطانية.
ففي فترة الثورة نجح الصهاينة وسلطات الانتداب في
بناء شبكة من الطرق بين المستعمرات الرئيسية
والمدن شكلت فيما بعد جزءاً أساسياً من الهيكل
التحتي للاقتصاد الصهيوني، وبالإضافة لهذه الطرق،
تم تعبيد الطريق الرئيسي بين حيفا وتل أبيب، وجرى
توسيع ميناء حيفا وتعميقه وبناء ميناء تل أبيب
الذي قضى فيما بعد على حيوية ميناء يافا، وانفرد
الإسرائيليون بتعهد تزويد القوات البريطانية التي
أخذت تتدفق على فلسطين بالمؤن وبالمعدات. وقد
تأسست خمسون مستعمرة إسرائيلية في الفترة الممتدة
بين 1936 و1939، ففي الفترة من 1936-1938 وظف
اليهود مليوناً و268 ألف جنيه لأعمال البناء في 5
مدن يهودية مقابل 120ألف جنيه فقط وظفها العرب في
البناء في 16 بلدة عربية في نفس الفترة! وانهمك
اليهود بالعمل في مشاريع الأمن البريطانية التي
نشطت في تلك الفترة لمحاصرة الثورة العربية،
وبينها مشروع بناء حاجز من الأسلاك الشائكة على
الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لفلسطين الذي
"وظف البريطانيون عمالاً يهوداً بـ 100ألف جنيه
فلسطيني ليتموا بناءه"(104) بالإضافة لعشرات من
المشاريع الأخرى. وتعطينا أرقام نشرات صدرت فيما
بعد فكرة أدق: فقد ازدادت قيمة الصادرات من
البضائع المصنوعة محلياً من 478،807 جنيهات
فلسطينية عام 1935 إلى حوالي الضعف ( 896،875 ج.
ف.) في 1937 رغم أحداث الثورة(105) . ولا يوجد
تفسير لذلك إلا النشاط المضاعف الذي طرأ على
الاقتصاد اليهودي.
وقد اتسع نطاق هذه التعبئة من المجال الاقتصادي
المتحالف مع الانتداب، إلى المجال العسكري
المتواطئ معه(*)، فقد شعر البريطانيون بأن حليفهم
الصهيوني مؤهل للعب دور لا يمكن لغيره أن يلعبه
بنفس الجودة، وفي الواقع فان بن غوريون لا يذكر
إلا جزءاً من الحقيقة حين يعترف بأن عدد المجندين
اليهود في البوليس الإضافي المسلح بالبنادق قد
ارتفع إلى 2863 في أيلول 1936. فذلك لم يكن إلا
جزءاً من القوة اليهودية التي كان تعدادها، في
الهاغاناه، 12 ألف رجل عام 1937 بالإضافة إلى
ثلاثة آلاف من أتباع جابوتنسكي (التنظيم العسكرية
القومي)(106). وقد أدى تحالف هؤلاء، كممثلين
حقيقيين للحركة الصهيونية، مع الاستعمار البريطاني
إلى ولادة فكرة "قوة البوليس الإضافي" في ربيع
1936 وهي الفكرة التي خدمت كتغطية للوجود الصهيوني
المسلح المتمتع ببركة الاستعمار وتشجيعه. وقد خدمت
هذه القوة كفترة انتقالية لمدة شهور، هيأت خلالها
الهاغاناه للانتقال في بداية 1937 إلى مرحلة جديدة
لم يكن البريطانيون غير غافلين عنها فحسب، بل
كانوا مساعدين في بلورتها، وهي مرحلة تسيير دوريات
والقيام بعمليات محدودة ضد العرب، هدفها الرئيسي
أشغالهم وتشويشهم. وكان من غير الممكن الانتقال
إلى هذه المرحلة والحفاظ على "الهدنة" (التحالف)
مع سلطة الانتداب، دون أن يكون ذلك نتيجة خطة
مشتركة. ويقر بن غوريون بأن قوة البوليس الإضافي
اليهودية شكلت "إطاراً" ممتازاً لتدريب الهاغاناه"(107).
في صيف 1937 أطلق على هذه القوة اسم "الدفاع عن
المستعمرات اليهودية" ثم تغير إلى "بوليس
المستعمرات" وجرى تنظيمها برعاية الانتداب
البريطاني في طول البلاد وعرضها. وتعهد
البريطانيون بتدريب عناصرها. وفي 1938 جرى تعزيزها
بثلاثة آلاف آخرين. ولعب جميعهم دوراً مباشراً في
أعمال القمع المسلح ضد الثوار العرب، خصوصاً في
الشمال. وفي حزيران 1938 قرر البريطانيون أنه لابد
من شن عمليات هجومية ضد الثوار. وأنشأوا دورات
دراسة في هذا المضمار تدرب فيها عدد كبير من
إطارات الهاغاناه التي شكلت فيها بعد إطارات الجيش
الإسرائيلي(108).
وفي أوائل 1939 نظم الجيش البريطاني عشر مجموعات
من بوليس المستعمرات في مجموعات حسنة التسليح،
وأعطيت أسماء عبرية، وسمح لأفراد هذه القوة بتغيير
"القلبق"، لباس الرأس الرسمي بقبعة أسترالية
لتعزير التمايز، وقد بلغ عدد هؤلاء 14411 رجلاً،
يتزعم كل مجموعة منهم ضابط بريطاني يساعده وكيل
تعينه الوكالة اليهودية، وفي ربيع 1939 صار عند
اليهود 62 وحدة آلية، كل واحدة تحوي من 8 إلى 10
رجال.
وفي حزيران 1938 قررت القيادة البريطانية تكليف
العناصر اليهودية هذه بحماية خطوط السكة الحديدية
بين حيفا واللد التي نسفها الثوار العرب مراراً،
وقد أرسلت 434 عنصراً لتنفيذ هذه المهمة، إلا أنه
بعد ستة شهور فقط نجح رجال الوكالة اليهودية في
رفع هذا العدد إلى 800. إن هذا التطور لم يخدم فقط
عملية بناء القوة الصهيونية العسكرية، بل ساعد
أيضاً على امتصاص وتوظيف أعداد كبيرة من العمال
اليهود العاطلين عن العمل والذين كانت أعدادهم
تتزايد باضطراد في المدن، وهكذا جرى تحويل هذه
البروليتاريا نحو العمل في مؤسسات القمع، ليس فقط
في مشاريع الأمن البريطانية المضادة للثورة ولكن
أيضا في القوة العسكرية الصهيونية الصاعدة.
كانت أسس الجهاز العسكري الصهيوني ترسى برعاية
البريطانيين، وإذا كانت القوة اليهودية قد كلفت
بحماية خطوط السكة الحديدية بين حيفا واللد، فقد
جرى تكليفها بحماية خط أنابيب النفط في سهل بيسان،
الذي كان قد بني حديثاً 1934 لنقل الزيت من كركوك
إلى حيفا والذي نسفه الثوار العرب عدة مرات. ولعل
قيمة ذلك بالذات، هنا، قيمة رمزية مثيرة للدهشة:
أن الثوار العرب الذين أدركوا قيمة هذا النفط
بالنسبة للمستغل البريطاني قد نسفوا الأنبوب لأول
مرة في 15 تموز 1936 قرب أربد، وبعد ذلك جرى نسفه
عدة مرات قرب قرية كوكب الهوا ومحنة إسرائيل
واكسال وبين العفولة وبيسان، وفي تل عدس، والبيرة،
وأرض المرج، وتمرة، وكفر مصر، وجسر المجامع،
وجنجار وبيسان وعين دور.
وقد عجز بهذا العجز البريطانيون عن حماية هذا الخط
الحيوي واعترفوا بهذا العجز عدة مرات، وفي الوقت
نفسه دخلت "الماسورة" كما كان يسميها الفلاحون
العرب في صلب الفولكلور الذي يمجد البطولات
الشعبية.
وعلى أي حال، فقد توصل البريطانيون إلى تأمين حد
أدنى من الحماية للأنابيب هذه عن طريقين: أعطوا
لعصابات اليهود مهمة حمايتها في الداخل، أما في
الأراضي الأردنية فقد أوكلوا مهمة حراستها إلى
"الشيخ تركي بن زين، رئيس فخذ الزين من عشيرة بني
صخر، وقد خولته الشركة حق التجوال في الصحراء بأية
واسطة كانت" (109).
إن هذا الأمر مهم للغاية، ذلك أن هذا الحادث
بالذات عزز القناعات البريطانية بأن إنشاء قوة
ضاربة يهودية يحل الكثير من الإشكالات بالنسبة
لحماية المصالح الإمبريالية عموماً. أن بن غوريون
يكاد يكشف هذه الحقيقة بمباشرة لا حد لها حين
يتحدث عن الجهد البريطاني في إنشاء قوة يهودية
مسلحة مهمتها حماية هذه المصالح. وفي هذا المجال
لعب الضابط البريطاني شارلز أورد وينغيت دوراً
بارزاً في ترجمة التحالف البريطاني- الصهيوني إلى
واقع عملي، وبالرغم من أن المؤرخين الصهانية
يحاولون الإيحاء وكأن جهد وينغيت كان نتيجة مزاج
شخصي وولاء "مثالي"، إلا أنه من الواضح أن ضابط
الاستخبارات هذا، الذي أرسله رؤساؤه إلى حيفا في
خريف 1937، كان مكلفا بمهمة محددة وهي إنشاء
النواة الضاربة للقوة اليهودية المسلحة التي كانت
موجودة قبل ذلك بستة شهور على الأقل ولكن التي
كانت تحتاج إلى بلورة وإعداد. وقد جعل هذا الضابط
البريطاني، الذي يعتبره العسكريون الإسرائيليون
المؤسس الفعلي للجيش الإسرائيلي، مسألة حماية
أنبوب النفط همه الأساسي. إلا أن هذه المهمة كانت
مدخلاًًًًًً لسلسلة عمليات إرهاب وقتل أخذ هذا
الضابط على عاتقه مهمة تعليم تلامذته في عين دور-
ومن بينهم دايان- أجادتها. ولا شك أن وينغيت كان
يتسلح بالإضافة لكفاءته كضابط استعماري متمرس،
بكراهية عنصرية غير محدودة للعرب، ويبدو من سيرة
حياته كما أرخها الذين عملوا معه أنه كان يجد متعة
في قتل الفلاحين العرب أو تعذيبهم أو ممارسة أي
شكل من أشكال الاحتقار لهم(110).
وتؤكد دراسة لأميل توما عن كتاب لييجال آلون حول
هذا الموضوع أن وينغيت وشراذمه كانوا يساعدون
القوات البريطانية على إرهاب السكان العرب في
الريف خلال ثورة 36- 1939.
وبواسطة رجال مستعمرين من طراز وينغيت، وقادة
رجعيين من طراز الأمير عبد الله وأفراد طبقته
الحاكمة، كان البريطانيون يهيئون للحركة الصهيونية
فرصة أن تصبح عسكرياً واقتصادياً المخفر الأمامي
الذي يحمي مصالحهم، وكان ذلك كله يجري من خلال
قناعة هؤلاء جميعاً بأن قيادة الحركة الوطنية
الفلسطينية ليست في حالة من الثورية تؤهلها للوقوف
في وجه هؤلاء الأعداء المتكاتفين.
لقد اهتدى البريطانيون في وقت مبكر إلى
الإستراتيجية التي أطلق عليها الأميركيون بعد ذلك
بثلاثين سنة اسم "الفيتنمة". ووسط ذلك كله وصلت
الحركة الوطنية الفلسطينية، التي شلتها، بالإضافة
للعوامل الذاتية التي ذكرناها، الهجمات العنيفة
التي شنها البريطانيون من جهة والصهيونيون من جهة
أخرى، إلى موقف حرج عشية الحرب الثانية.
إن ادعاءات بعض المؤرخين بأن العرب "أوقفوا"
ثورتهم ليتيحوا لبريطانيا، مرة أخرى، فرصة خوض
حربها العالمية ضد النازية هي ادعاءات ساذجة لا
ينفيها واقع الحال فحسب، ولكن ينفيها أيضا كون
الحاج أمين الحسيني نفسه قد لجأ إلى ألمانيا
النازية طوال سنين الحرب.
|
|
|
|
|
|